قصص و روايات

ابن جاري الغني

لوجان انفجر في الضحك، وبعدين مد إيده ناحية نوح كأنه هيدفعه بعيد.

لكن قبل ما إيده تلمسه، مسكت رسغه ووقفت بينه وبين ابني.

مكنتش محتاجة أضغط عليه، ولا أرفع صوتي.

كل اللي عملته إني بصّيت في عينيه وقلت:
ابني ملوش دعوة بالموضوع. لو عندك مشكلة معايا، اتكلم معايا أنا.

لأول مرة، الضحكة اختفت من وشه.

حاول يسحب إيده بسرعة، ولما سيبته، رجع خطوتين لورا، وبصّ لأبوه كأنه مستني منه يتدخل.

جرانت بدل ما يوقف الموقف، رفع صوته:
لوجان، ورّيها إنك مش بتخاف من حد!

هنا فهمت إن المشكلة أكبر من مجرد شاب مغرور.

الأب نفسه كان بيعلّم ابنه إن القوة معناها إهانة الناس، وإن الرجولة معناها إنك تخلي اللي قدامك يخاف منك.

أخدت نفس عميق، وقلت للوجان:
عندك اختيار أخير. تلمّ القفازات بتاعتك، وتعتذر عن اللي حصل، وكل واحد يروح بيته. أو نسيبك تشرح للشرطة بنفسك ليه بتنافس جارتك وتضايق ابنها قدام الناس.

جرانت ضحك بسخرية:
شرطة؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟

مد إيده ناحية كتفي، كأنه هيدفعني عشان أبعد عن طريق الكاميرا.

لكن قبل ما يلمسني، وقفّت إيده بنظرة واحدة، فاضطر يرجعها.

وقلتله:
آخر مرة هقولها. متلمسنيش.

ساد الصمت في الشارع.

واحدة من الجارات، اسمها السيدة ميلر، همست لجوزها:
أنا عمري ما شفت كلير بالشكل ده.

أما لوجان، فكان واضح إنه اتضايق من إن المشهد اللي كان متخيله انتهى قبل ما يبدأ.

فجأة، خلع الساعة اللي في إيده، ورماها لأبوه، وقال بصوت عالي:
خلاص! مفيش كلام تاني. يا تقبلي المنافسة، يا تعترفي قدام الناس إنك جبانة!

بصّيت للقفازات مرة تانية.

وبعدين بصّيت لنوح، اللي كان واقف جنبي وبيحاول يخبي خوفه عليّا.

انحنيت، حطيت إيدي على كتفه، وقلتله بهدوء:
ادخل البيت يا حبيبي، واقفل الباب. مهما حصل، متخرجش.

نوح هز راسه، لكنه قبل ما يمشي، سألني بصوت واطي:
ماما… إنتِ هتخاصمي معاه؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
أنا هخلّيه يفهم إن مش كل منافسة لازم يترد عليه بالطريقة اللي صاحبه عايزها.

دخل نوح، لكن محدش من الجيران اتحرك من مكانه.

رفعت راسي ناحية لوجان وقلت:
أنا مش هخاصمك عشان تسلّي الناس، ومش هسمحلك تستخدم الموقف ده عشان تعمل من نفسك بطل. لو عايز تثبت إنك رياضي حقيقي، فيه أماكن وقوانين ومدربين وحكام. اختار واحدة منهم.

لوجان احمرّ وشه من الغضب.

يعني إنتِ بترفضي؟

أنا برفض أكون جزء من عرضك السخيف.

في اللحظة دي، عمل حاجة مكنتش متوقعاها.

لفّ فجأة، ودفع القفازات بعيد، وبعدين تحرك ناحيتي بسرعة، معتقدًا إنه هيقدر يزعجني ويخلّيني أرجع لورا قدام الكاميرات.

لكن أنا فضلت ثابتة في مكاني.

ولما قرب مني، اتحركت خطوة واحدة بس، وخرجت من مساره من غير ما أمسكه أو أوقفه.

لوجان فقد توازنه للحظة، واضطر يحط رجله بقوة على الأرض عشان ما يقعش.

محدش ضحك المرة دي.

حتى أبوه نزل الموبايل شوية.

لوجان لفّ ناحيتي، وعينيه مليانة غضب وإحراج.

إنتِ بتلعبي ألعاب!

رديت عليه:
لأ. أنا بحاول أمنعك من إنك تضر نفسك أو تضر حد غيرك.

لكن جرانت كان خلاص فقد أعصابه.

قرب من ابنه وقاله بصوت واطي، لكنه كان مسموع للي واقفين قريب:
إنت هتسيبها تعمل فيك كده قدام الناس؟ خلّص الموضوع!

الجملة دي كانت آخر حاجة محتاجاها عشان أفهم إن مفيش اعتذار هيحصل النهارده.

لوجان شدّ كتافه، وبدأ يتحرك حواليا في دايرة، كأنه بيستعد لمنافسة حقيقية.

وفي اللحظة دي، ظهر صوت عربية بتقف عند أول الشارع.

نزل منها راجل في أواخر الخمسينات، لابس قميص بسيط وبنطلون جينز. كان اسمه فرانك، جارنا اللي ساكن في البيت المقابل، واللي عمره ما اتدخل في أي مشكلة تخص لوجان.

لكن أول ما شافني واقفة قدامه، وقف مكانه فجأة.

بصّ لوشي، وبعدين بصّ للوجان، وبعدها قال بصوت مليان دهشة:
استنوا لحظة… إنتوا عارفين أصلًا مين الست اللي واقفين قدامها؟

جرانت لفّ ناحيته بعصبية:
وإنت مالك؟ ارجع بيتك يا فرانك!

لكن فرانك تجاهله تمامًا.

فضل باصصلي، وكأنه بيحاول يتأكد من حاجة مش قادر يصدقها.

وبعدين قال اسمًا واحدًا بس.

اسمًا خلّى ابتسامة جرانت تختفي، وخلّى لوجان يوقف حركته في نص الخطوة.

الكولونيل كلير بينيت… قائدة الرينجرز السابقة؟!

ولأول مرة من ساعة ما القفازات وقعت عند رجلي، محدش في الشارع كان بيبصلي باعتباري أم عزباء سهلة الإحراج.

كل العيون اتجهت ناحيتي، مستنية إجابتي.

أما أنا، فبصّيت لفرانك وقلت:
كنت أتمنى إن ماضيّ يفضل بعيد عن حياتي هنا.

فرانك قرب خطوة، وقال:
أنا آسف يا كلير، بس واضح إنهم مش فاهمين هم بيعملوا إيه.

جرانت بدأ يتوتر، وبصّ لفرانك ثم ليا، قبل ما يسأله:
إنت تعرفها منين؟ وإيه حكاية الرينجرز دي؟

فرانك فتح بقه عشان يرد، لكني وقفته بإشارة بسيطة من إيدي.

لأن كان فيه حاجة أهم لازم تحصل الأول.

بصّيت للوجان وقلت:
قبل ما أي حد يحكيلك عن خدمتي، عندك فرصة أخيرة تختار بنفسك هتكون أنهي نوع من الرجالة. الراجل اللي يعترف إنه غلط، ولا الراجل اللي يفضل يكابر لحد ما يضر حياته بإيده.

لوجان سكت.

ولثواني، افتكرت إنه ممكن أخيرًا يكون فهم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى