
هو كبّر الصورة على جزء صغير ظهر في آخر الفيديو، قبل ما جرانت يوقف التسجيل.
كان فيه راجل واقف جنب عربيته السودا، بعيد عن التجمع، وبيبص ناحيتي.
فرانك قال:
أنا أعرف الراجل ده. شفته مرتين الأسبوع اللي فات، وكان كل مرة بيقف قدام بيتك لدقايق ويمشي.
بصّيت للصورة كويس.
مكنتش أعرفه.
لكن فرانك فتح صورة تانية على موبايله، وقال:
النهارده شفته خارج من مكتب جرانت، وكان معاه ملف كبير. أنا معرفش هو مين، لكن عندي إحساس إن وجوده مش صدفة.
مدّيت إيدي للموبايل، وراجعت الصورتين.
وبعدين قلت:
فرانك، من فضلك متحاولش تواجه أي حد بنفسك. لو فيه تحذير حقيقي، لازم نتعامل معاه بطريقة قانونية وآمنة.
هز راسه، وبعدها قال جملة خلتني أفكر في احتمال أسوأ:
كلير، فيه حاجة أنا مخبيها عنك. الراجل ده مش بس بيقف قدام بيتك… أنا شفته كمان خارج من مكتب محامي في وسط المدينة، نفس المحامي اللي بيتعامل مع شركات جرانت العقارية.
في اللحظة دي، سمعت صوت إشعار من موبايل نوح، اللي كان سايبه على الترابيزة.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت فيها صورة جديدة.
الصورة كانت لبيتنا من الخارج، متصورة في نفس الليلة.
وتحتها جملة واحدة:
إنتِ بدأتي تفتكري يا كلير… بس لسه متعرفيش مين اللي أضر فريقك زمان.
فضلت باصة للرسالة، وكل تفصيلة في دماغي بدأت ترتبط بالتانية.
جرانت، الصورة القديمة، الملف العسكري، والراجل الغامض اللي بيراقب البيت.
وفجأة، افتكرت اسمًا من ملف التحقيق القديم، اسم شخص كنت متأكدة إنه غاب من سنين.
لكن لو كان الشخص ده لسه عايش…
فده معناه إن القصة اللي اتقالت لنا عن العملية القديمة ممكن تكون كذبة من البداية.
رفعت عيني ناحية فرانك وقلت:
بكرة الصبح، هروح أقابل شخص واحد. لو عنده الإجابة اللي بدور عليها، هعرف ليه جرانت اختارني أنا بالذات.
فرانك سألني بقلق:
ومين الشخص ده؟
قفلت الملف المعدني، وقلت اسمًا واحدًا.
اسم الشخص اللي كان آخر واحد شفته قبل ما تنتهي العملية القديمة… واللي تقرير الجيش أكد غيابه من عشرين سنة!
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن الشخص ده كان هو كمان بيحاول يوصل ليا من شهور…
وإن المقابلة اللي استنيتها كل السنين دي، هتكشف سرًّا أكبر بكتير من مجرد مواجهة جرانت وايتمور.
يتبع…
الساعة كانت 6 الصبح، وأنا واقفة قدام المراية بربط شعري، وعقلي مشغول بالاسم اللي افتكرته طول الليل.
النقيب دانيال روس.
الراجل اللي كنت آخر واحدة شافته قبل ما تنتهي العملية اللي قلبت حياتي، واللي اتقال لنا إنه غاب أثناء الانسحاب، بعد ما اتقطعت الاتصالات بينه وبين فريق الإنقاذ.
لكن فيه تفصيلة عمري ما قدرت أنساها.
قبل ما نفقد الاتصال بيه بدقايق، دانيال قال جملة على اللاسلكي، جملة فضلت ترن في ودني لسنين:
كلير، لو حصل أي حاجة، متصدقيش التقرير الأخير.
وقتها اعتبرت كلامه نتيجة الضغط والخطر اللي كنا فيه.
لكن بعد ما لقيت اسم جرانت في الملف القديم، وبعد الرسالة اللي وصلتني بالليل، بدأت أشك إن دانيال كان بيحاول يحذرني من حاجة محدش عرفها.
سيبت لنوح ورقة على الترابيزة، وطلبت منه يروح المدرسة مع جارتي السيدة ميلر، وإنه ميفتحش الباب لأي حد غريب.
وقبل ما أخرج، اتصلت بالجهة المختصة وطلبت التحقق من التحذيرات اللي وصلتني، واحتفظت بكل الصور والرسائل من غير ما أرد على الرقم المجهول.
مكنش عندي أي نية إني أعرّض ابني للخطر عشان أكتشف الحقيقة بنفسي.
لكن كان لازم أعرف مين اللي بيحاول يزعجني، وليه اختار الوقت ده بالذات.
وصلت للمكان اللي كان المفروض أقابل فيه دانيال، وهو مبنى قديم على أطراف المدينة، فيه مكاتب لشركات صغيرة ومحلات مقفولة من سنين.
المكان اللي اتحدد في الرسالة كان مكتبًا في الدور التاني.
طلعت السلم، ووقفت قدام الباب المكتوب عليه اسم شركة استشارات أمنية.
الباب كان مفتوحًا.
دخلت بحذر، وسمعت صوت راجل من آخر الممر بيقول:
اتأخرتي يا كلير.
وقفت مكاني.
الصوت كان أعمق وأخشن من اللي فاكره، لكن فيه نبرة مستحيل أنساها.
ظهر الراجل من ورا باب جانبي، وكان أكبر سنًا، شعره أبيض تقريبًا، ووشه مليان خطوط عميقة.
لكن عينيه…
عينيه كانوا نفسهم.
نفس النظرة اللي شفتها آخر مرة وسط الدخان والتراب.
رفعت إيدي على بقي من الصدمة، وخرج الاسم من شفايفي بصعوبة:
دانيال؟!
هز راسه ببطء.
أيوه. أنا عايش.
حسّيت بغضب وصدمة في نفس الوقت.
عشرين سنة!
عشرين سنة وأنا فاكرة إن الراجل ده غاب، وعشرين سنة وأهله عايشين على ذكرى شخص مفقود اتقال لهم إنه مش هيرجع أبدًا.
قربت منه خطوة وقلت بصوت مرتعش من الغضب:
إنت عارف إنهم أعلنوا غيابك؟ عارف إن فريقنا كله صدّق إنك غائب؟ إزاي قدرت تختفي كل السنين دي؟
دانيال نزل عينيه للأرض.
عارف إن مفيش كلام هيكفي يبرر اللي حصل. بس لو كنت رجعت وقتها، كان فيه ناس هتتأذى، وإنتِ كنتِ هتبقي أول واحدة فيهم.
مين الناس دي؟
رفع عينيه ليا، وقال:
الناس اللي كانوا بيحاولوا يسرّبوا معلومات عن تحركات وحدتنا. واللي حصل في العملية مكنش مجرد خطأ في التخطيط، زي ما التقرير الرسمي قال.
سكت لحظة، وبعدها كمل:
كان فيه حد بيوصل معلومات حساسة لجهة خارجية، والمعلومات دي كانت بتوصل للشركة المدنية اللي كانت مسؤولة عن بعض الخدمات اللوجستية.
افتكرت اسم جرانت فورًا.
شركة وايتمور؟




