
أما الرسالة التي قرأتها على الهاتف، فلم تكن سوى محاولة أخرى لكسب الوقت وإبقاء الحقيقة بعيدة عن والد لوسي.
لم يكن بوسعنا إصدار حكم نهائي قبل استكمال التحقيق، لكن الأدلة الأولية كانت كافية لإثارة مخاوف جدية بشأن إهمال الطفلة وسوء استخدام الأموال المخصصة لرعايتها.
نظرت إلى لوسي من خلال الزجاج.
كانت قد بدأت تغفو، ويدها الصغيرة تستقر فوق أذن أرنبها الممزقة.
فكرت في ابنتي إيلي.
وتساءلت، للمرة الألف منذ وفاتها، لماذا لم أتمكن من إنقاذها.
لكنني أدركت في تلك اللحظة أنني لا أستطيع تغيير الماضي، وأن ما يمكنني فعله هو ألا أسمح لطفلة أخرى بأن تشعر بأنها وحيدة في مواجهة العالم.
—
المكالمة التي انتظرتها لوسي عشرة أيام
في صباح اليوم التالي، نجح فريق التواصل المختص في الوصول إلى والد لوسي.
كان أوين برينان على متن سفينة تابعة للبحرية الأمريكية، وكانت ظروف مهمته قد حدّت من قدرته على التواصل مع أسرته.
وعندما أُبلغ بأن ابنته موجودة في المستشفى، طلب التحدث إليها في أقرب فرصة تسمح بها الإجراءات والاتصالات.
بعد ساعات قليلة، وصل الاتصال.
كنت أقف بجوار سرير لوسي عندما سمعت صوت الهاتف.
فتحت عينيها فجأة.
«أبي؟»
جاءها صوته متوترًا:
«لوسي؟ حبيبتي، هل أنتِ بخير؟ أين أنتِ؟ ماذا حدث؟»
بدأت تبكي.
لم يكن بكاؤها مرتفعًا، بل كان بكاء طفلة حاولت أن تكون قوية لأيام طويلة، ثم وجدت أخيرًا الشخص الذي كانت تبحث عنه.
قالت:
«أنا في المستشفى يا أبي».
ساد الصمت للحظات.
ثم سألها بصوت مرتجف:
«لماذا أنتِ في المستشفى؟ ماذا حدث لكِ؟»
نظرت إليّ لوسي، وكأنها لا تزال تخشى أن تكون قد ارتكبت خطأ.
أشرت إليها برأسي، مشجعة إياها على التحدث.
فقالت:
«كنت مريضة يا أبي. ولم يكن هناك طعام كثير. والسيدة بريويت لم تعد. حاولت الاتصال بالعمة بيرني، لكنها لم تأتِ».
سمعت صوت والدها يتغير.
«ماذا تقولين يا صغيرتي؟ لقد أخبرتني عمتك أنك تتناولين الطعام جيدًا، وأن السيدة بريويت عادت إلى المنزل، وأنك بخير».
أجابت لوسي بصوت مكسور:
«أنا آسفة يا أبي. حاولت أن أكون شجاعة. لم أرد أن أقلقك وأنت بعيد».
عندها سمعت صوتًا يشبه شهقة مكتومة من الطرف الآخر.
ثم قال أوين:
«لا تعتذري يا حبيبتي. لا تعتذري أبدًا لأنك طلبت المساعدة. أنا آسف لأنني لم أعرف أنك كنتِ تمرين بكل هذا».
وضعت لوسي الهاتف على صدرها، وأخذت تبكي بحرقة.
وبكيت أنا أيضًا.
للمرة الأولى منذ أيام، لم تكن لوسي مضطرة إلى إخفاء خوفها.
—
سر آخر كشفه والدها
بعد انتهاء المكالمة، طلب أوين التحدث إلى الفريق المسؤول عن حالة ابنته.
وعندما تحدثنا معه، أخبرنا أنه كان قد وضع خطة لرعاية لوسي قبل مغادرته في مهمته البحرية.
كانت السيدة بريويت جارة موثوقة، عرفت الأسرة لسنوات طويلة، وكانت تساعده في رعاية ابنته منذ وفاة زوجته.
أما شقيقته برنيس، فقد وافقت على أن تكون مسؤولة عن لوسي في حال غياب السيدة بريويت أو احتياجها إلى المساعدة.
لم يكن أوين يتصور أن الأمور ستسير بهذه الطريقة.
قال بصوت مثقل بالندم:
«كنت أرسل المال كل شهر. كنت أتصل عندما تسمح الظروف. وكل مرة أسأل فيها عن لوسي، كانت برنيس تقول إن كل شيء على ما يرام».
ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:
«كنت أظن أن ابنتي في أيدٍ أمينة».
لم يكن أحد منا يملك الكلمات المناسبة للرد.
فأحيانًا، لا تكون المأساة ناتجة عن غياب الحب، بل عن ثقة وُضعت في غير موضعها.
لكن أوين لم يسمح للحزن بأن يمنعه من التصرف.
طلب من المسؤولين مساعدته في ترتيب عودته وفق إجراءات مهمته، وبدأ بالتنسيق مع الجهات المختصة لتوفير رعاية آمنة لابنته.
كما طلب مراجعة الأموال التي أرسلها لرعايتها، وأكد أنه لن يسمح لأي شخص بإهمالها مرة أخرى.
أما برنيس، فقد تواصلت مع الجهات المعنية بعد بدء الاستفسارات الرسمية.
وفي البداية، حاولت تبرير ما حدث بالقول إنها كانت تمر بظروف صعبة، وإنها احتاجت إلى بعض الوقت لترتيب أمورها.
لكن ذلك لم يُلغِ حقيقة أن طفلة صغيرة تُركت دون رعاية مناسبة.
لم يكن أوين يريد الانتقام من شقيقته بقدر ما أراد حماية ابنته، ومعرفة الحقيقة كاملة.
لذلك ترك الأمر للجهات المختصة لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات المناسبة.
—
عندما عاد الأب إلى ابنته
بعد ثلاثة أيام، كنت أراجع بعض الملفات في قسم الأطفال عندما سمعت خطوات مسرعة في الممر.
رفعت رأسي.




