روايات وقصص

طفلة في الثامنة

ومنذ ذلك الحين، تعمدت الحفاظ على مسافة عاطفية بيني وبين المرضى الذين أعتني بهم.

وقبل انضمامي إلى هذا المستشفى، عملت مسعفة في البحرية الأمريكية، وتعلمت كيف أتصرف بهدوء أثناء حالات الطوارئ.

ومع ذلك، وجدت نفسي في ذلك المساء أبذل عناية إضافية وأنا أرتب البطانية حول لوسي.

عادت إليّ ذكريات الأمسيات التي كانت ابنتي إيلي تخبرني فيها بأن مجرد وجودي بجوار سريرها يجعلها تشعر بالأمان والحماية.

أما لوسي، فلم يكن بجانبها أي فرد من عائلتها يمكنه أن يمنحها الشعور نفسه بالطمأنينة.

وبينما كنت أنظر إلى ملفها الطبي الذي يكاد يخلو من المعلومات، أدركت أن معاناتها تتجاوز بكثير مجرد السعال المستمر.

بطريقة ما، وجدت طفلة صغيرة تحتاج إلى التوجيه والدعم نفسها عالقة في موقف عائلي معقد، لم يكن أحد يفهم حقيقته بالكامل.

أردت التأكد من حصولها على الرعاية الطبية التي تحتاج إليها، إلى جانب الدعم الأسري الذي تستحقه.

وبينما واصل الفريق الطبي الاعتناء بلوسي، طلبت أيضًا من الأخصائية الاجتماعية في المستشفى المساعدة في التواصل مع أحد أفراد عائلتها المسؤولين عنها، ومعرفة الترتيبات المؤقتة التي وُضعت لرعايتها.

وعلى أمل الوصول إلى عائلتها، سألت لوسي إن كانت تسمح لي بتفقد قائمة جهات الاتصال الموجودة على الهاتف القديم داخل حقيبة ظهرها.

وافقت، ثم ناولتني الهاتف.

كانت شاشته متشققة.

ظهرت أمامي عدة رسائل أرسلتها خلال الأيام الماضية إلى جهة الاتصال المسجلة باسم «العمة بيرني»:

«لم يتبقَّ الكثير من الطعام في المنزل».

«السيدة بريويت لم تعد إلى المنزل حتى الآن».

«لا أشعر أنني بخير، وأجد صعوبة في التنفس بشكل مريح».

كانت جميع الرسائل تحمل علامة القراءة.

أما أحدث رد، فقد وصل في وقت سابق من ذلك الصباح.

قرأته مرتين، وأنا أحاول استيعاب السبب الذي قد يدفع أي شخص إلى إرسال مثل هذه الرسالة إلى طفلة لا تفعل سوى طلب المساعدة.

كانت الرسالة تقول:

«أرجوكِ، لا تتحدثي عن الوضع في المنزل الآن. لقد أكدت لوالدك بالفعل أن كل شيء على ما يرام. أحتاج إلى مزيد من الوقت لأشرح ما حدث…»

لكن ما الذي كانت العمة بيرني تحاول إخفاءه عن والد لوسي؟ ولماذا تركت طفلة في الثامنة تواجه المرض والجوع والوحدة، بينما كانت تطمئن والدها بأن كل شيء على ما يرام؟

والأخطر من ذلك كله… ما السر الذي كانت تخشى أن تكتشفه البحرية الأمريكية؟

يتبع في التعليقات…

الحقيقة التي كشفتها رسالة العمة بيرني… والنهاية التي لم يتوقعها أحد!

ظللت أحدق في شاشة الهاتف، وأنا أحاول استيعاب ما قرأته للتو.

لم تكن الرسالة مجرد كلمات غامضة، بل كانت دليلًا على أن شخصًا ما يعرف أن الطفلة تعاني، ومع ذلك يطلب منها الصمت.

نظرت إلى لوسي، التي كانت مستلقية على سرير المستشفى، تحتضن أرنبها المحشو بينما يمدها جهاز الأكسجين بما تحتاج إليه.

سألتها برفق:

«حبيبتي، هل تعرفين لماذا طلبت منك عمتك ألا تتحدثي عما يحدث في المنزل؟»

هزت رأسها ببطء.

«لا أعرف. لكنني وعدتها ألا أخبر أبي بأي شيء حتى تعود».

شعرت بوخزة ألم في صدري.

طفلة في الثامنة من عمرها كانت تحاول الوفاء بوعد قطعته لشخص بالغ، رغم أنها لم تكن تملك ما يكفي من الطعام، وكانت مريضة وخائفة، ولا تجد من يعتني بها.

قلت لها:

«لوسي، أنت لم تفعلي أي شيء خاطئ. ومن حقك أن تطلبي المساعدة عندما تشعرين بالخوف أو المرض. لن يعاقبك أحد لأنك أخبرتِ الحقيقة».

امتلأت عيناها بالدموع.

ثم همست بسؤال جعلني أعجز عن الكلام للحظات:

«هل سيغضب أبي مني لأنني جئت إلى هنا؟ لقد وعدته بأن أكون فتاة شجاعة».

أمسكت بيدها وقلت:

«والدك يحبك، والشجاعة لا تعني أن تتحملي كل شيء وحدك. أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية هي أن تطلبي المساعدة».

أغمضت عينيها، وكأنها كانت تنتظر سماع تلك الكلمات منذ أيام.

لكنني كنت أعلم أن علينا اكتشاف الحقيقة.

طلبت من الأخصائية الاجتماعية التواصل مع الجهة المختصة بحماية الأطفال، وبدأنا إجراءات الوصول إلى والد لوسي من خلال القنوات الرسمية للبحرية.

لم نكن نعرف بعد ما الذي حدث في منزلها، لكننا كنا نعرف أمرًا واحدًا: لا يجوز أن تعود إلى مكان لا تتوافر فيه الرعاية الآمنة قبل التأكد من سلامتها.

وبعد نحو أربعين دقيقة، تلقيت اتصالًا من الأخصائية الاجتماعية.

قالت بصوت متوتر:

«ماريان، لقد وصلنا إلى معلومات مهمة. السيدة بريويت، التي كانت تعتني بالطفلة، نُقلت إلى المستشفى قبل عشرة أيام بعد تعرضها لجلطة دماغية. وهي لا تزال تتلقى العلاج، ولم تكن قادرة على العودة إلى المنزل».

سألتها:

«وماذا عن العمة بيرني؟»

أجابت:

«اسمها برنيس برينان، وهي شقيقة والد لوسي. عندما دخلنا في تفاصيل الأمر، اكتشفنا أنها كانت مسؤولة مؤقتًا عن الطفلة، لكن هناك مشكلة كبيرة».

شعرت بأن قلبي يخفق بسرعة.

«ما المشكلة؟»

قالت:

«لقد غادرت منزل شقيقها قبل عدة أيام، وتركت لوسي وحدها. كما أنها كانت تتواصل مع والدها وتخبره بأن كل شيء يسير بصورة طبيعية».

لم أستطع تصديق ما أسمعه.

كيف يمكن لشخص بالغ أن يفعل ذلك بطفلة صغيرة؟

لكن المفاجأة لم تنتهِ عند هذا الحد.

أخبرتني الأخصائية الاجتماعية أن برنيس كانت تمر بأزمة مالية، وأنها طلبت من شقيقها تحويل أموال إليها بحجة شراء الطعام والاحتياجات الأساسية للوسي.

وبحسب المعلومات الأولية التي جُمعت، فإن جزءًا من تلك الأموال لم يُستخدم في رعاية الطفلة كما كان مفترضًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى