
أتفرج على وشوشهم وهي بتتغير.
وأسمعهم وهما بيحاولوا يبرروا كل كدبة قالوها.
وأشوف بنفسى هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن الست اللي افتكروها ضعيفة وسهل يضحكوا عليها، كانت مجهزة لهم استقبال عمرهم ما تخيلوه!
الجزء الثاني: الحقيقة اللي قلبت حياة العيلة كلها
رن جرس الباب في الساعة تسعة الصبح بالضبط.
بصيت لأمي، فهزت راسها بهدوء، بينما الأستاذة منى منصور، المحامية اللي كانت قاعدة جنبي، رتبت الورق اللي قدامها.
فتحت الباب، ودخل أحمد ومعاه أمه الحاجة نادية، ووراهم كام واحد من قرايبنا.
أول ما الحاجة نادية شافت الناس الموجودة في الصالة، وقفت مكانها: «إيه ده؟ هو في إيه؟ وإيه كل الناس دي؟»
أحمد بصلي باستغراب، وبعدين عينه راحت للتلفزيون الكبير اللي كان متوصل بجهاز العرض.
قلت بهدوء: «اتفضلوا اقعدوا. بما إننا كلنا موجودين، يبقى أحسن وقت نتكلم بصراحة.»
الحاجة نادية حاولت تضحك وتتصرف كأن مفيش حاجة غريبة، وقالت: «أنا مش فاهمة إيه المسرحية دي يا مريم. أنا لسه تعبانة، ومش ناقصة مناظر.»
ردت أمي قبل ما أتكلم: «الغريب إنك كنتِ تعبانة أوي طول الشهر اللي بنتي كانت فيه بتولد وتتعافى، لكن قدرتي تسافري وتلفي وتتصوري عادي جدًا.»
اتغير لون وش الحاجة نادية، وبصت لأحمد كأنها مستنية منه يتدخل وينهي الكلام.
لكنه فضل ساكت.
شغلت أول صورة على الشاشة.
كانت صورة ليهم الاتنين قدام البحر، مبتسمين، وأحمد حاطط إيده على كتف أمه. بعدها ظهرت صور المطاعم والفنادق والرحلات اللي عملوها، وكلها خلال الأيام اللي كنت فيها في البيت بتعافى من القيصرية، وبحاول أتعلم إزاي أعتني بطفل حديث الولادة من غير مساعدة.
قلت وأنا ببص لأحمد: «طول الوقت كنت بتقول لي إنك مضغوط في الشغل، وإنك مش قادر تسيب مسؤولياتك. وكنت مصدقاك. لكن الحقيقة إنك كنت مسافر تستمتع بوقتك، وأنا هنا مش قادرة أقوم من السرير لوحدي.»
أحمد حاول يتكلم: «مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…»
قاطعته: «أمال زي إيه؟ الصور دي متفبركة؟ ولا إنت كنت هناك بتشتغل من على الشاطئ؟»
محدش ضحك.
شغلت بعد كده تسجيل صوتي كنت محتفظة بيه. كان صوت أحمد واضح وهو بيتكلم مع أمه في العربية، وبيقول لها إننا مش هنقدر نكتشف سفرهم بسهولة، وإنه هيقول لي إنها كانت تعبانة ومحتاجة راحة.
وبعدين جه صوت الحاجة نادية: «ما تقلقش. مريم طيبة، وهتصدق أي حاجة نقولها لها. المهم نرجع قبل ما الموضوع يكبر.»
وقفت التسجيل.
الحاجة نادية شهقت، وبعدين صرخت: «إنتِ سجلتيني من غير إذني؟ ده تجسس!»
الأستاذة منى اتكلمت بهدوء: «إحنا مش هنا عشان نناقش طريقة وصولنا للمعلومات بس. إحنا هنا عشان نناقش التصرفات نفسها، وتأثيرها على مريم وطفلها، وحقها في إنها تعرف الحقيقة.»
أحمد بص لأمه بغضب: «إنتِ قلتي لي إن مفيش حاجة هتحصل!»
ردت عليه بعصبية: «وإنت اللي وافقت! متحاولش ترمي كل حاجة عليّا دلوقتي.»
كانت دي أول مرة أسمعهم بيتخانقوا من غير ما يحاولوا يخبوا حقيقتهم قدامي.
قرايبنا بدأوا يسألوا أسئلة مباشرة. واحدة من قريبات أحمد قالت للحاجة نادية: «إنتِ كنتِ عارفة إن مريم لسه خارجة من عملية، وسيبتيها لوحدها عشان تسافري؟»
الحاجة نادية ردت بعناد: «أنا أم، ومن حقي أرتاح وأعيش حياتي!»
قلت لها: «طبعًا من حقك تعيشي حياتك. لكن مش من حقك تكدبي وتستغلي تعبي، وتخليني أصدق إنك عاجزة عن الحركة، بينما إنتِ بتستمتعي بإجازتك.»
أحمد نزل عينه للأرض.
سألته: «كنت تعرف إن أمي بتكدب عليّا؟»
سكت شوية، وبعدين قال: «كنت عارف إننا مسافرين. لكن ما توقعتش إن الموضوع هيوصل لكده.»
ضحكت بمرارة: «يعني كنت عارف إنك هتسيب مراتك بعد الولادة وطفلك الرضيع، واخترت تسافر، لكن المشكلة عندك إن الموضوع اتكشف؟»
ما عرفش يرد.
بعد المواجهة، الأستاذة منى وضحت إن وجودنا مش معناه إننا هنصدر أحكام في نفس اللحظة. لكن كان لازم من دلوقتي تتحدد المسؤوليات بوضوح، خصوصًا إن عندنا طفل محتاج رعاية منتظمة، وأم لسه بتتعافى من عملية كبيرة.
طلبت من أحمد يحدد موقفه بوضوح: هل هو مستعد يتحمل مسؤولياته كأب وزوج، ولا هيفضل يتهرب كل ما الأمور تبقى صعبة؟
أحمد قال إنه عايز يصلح اللي حصل، لكن كلامه ما كانش كفاية بالنسبة لي.
قلت له: «أنا مش محتاجة وعود جديدة. أنا محتاجة أشوف أفعال. والثقة اللي اتكسرت مش هترجع لمجرد انك اعتذرت.»
الحاجة نادية حاولت تتدخل: «يعني هتحرميني من ابني ومن حفيدي بسبب رحلة؟»
بصيت لها وقلت: «أنا مش بحرمك من حد. أنا بحمي نفسي وابني من تكرار اللي حصل. علاقتك بيه هتكون على أساس الاحترام والالتزام، مش على أساس إنك تفرضي شروطك عليّا.»
أمي مسكت إيدي، بينما الأستاذة منى بدأت تشرح الخطوات اللي ممكن ناخدها لو اضطرينا ننظم الانفصال أو مسؤوليات رعاية الطفل بشكل رسمي.
في اللحظة دي، أدركت إن المواجهة الحقيقية مش إن أحمد وأمه يعترفوا بكدبهم قدام العيلة. المواجهة الحقيقية إني أبطل أتصرف كأن مشاعرهم أهم من حقي في الاحترام.
بعد ما الناس مشيت، أحمد طلب يقعد معايا لوحدنا.
كان شكله مرهق، ولأول مرة من فترة طويلة ما حاولش يدافع عن نفسه فورًا.
قال: «أنا عارف إني غلطت. الرحلة دي كانت متخطط لها من قبل ولادتك بحوالي تلات شهور. أمي كانت نفسها نسافر سوا، وأنا وافقت. وكل ما قرب موعد الولادة، كنت بقول لنفسي إن الأمور هتكون سهلة، وإنك هتقدري تتصرفي.»
سألته: «ولما عرفت إن الولادة هتكون قيصرية؟»
اتردد، وبعدين قال: «خفت من المسؤولية. كنت حاسس إن حياتي كلها هتتغير، وإن مفيش وقت ليا بعد كده. بدل ما أواجه خوفي وأكون جنبك، هربت.»
كان اعترافه مؤلمًا، لكنه على الأقل كان اعترافًا حقيقيًا.
قلت له: «أنا كمان كنت خايفة. كنت داخلة عملية، وبعدها بقيت مسؤولة عن طفل، وجسمي بيوجعني، ونومي متقطع، وكل يوم بتعلم حاجة جديدة. الفرق إني ما كانش عندي رفاهية الهروب.»
نزلت دموعه، وقال: «أنا آسف يا مريم.»




