روايات وقصص

شهر من الخداع

حماتي ضحكت بسخرية وقالت: «يا حبيبتي، كل الستات بتولد! أنا خلفت أحمد، وتاني يوم كنت بغسل الهدوم وبعمل شغل البيت عادي جدًا.»

أحمد هز راسه موافقًا كلامها، وأضاف: «وبعدين بر الوالدين ورعايتهم واجب على الزوجة الكويسة.»

بصيت لأمي، وبعدها بصيت لجوزي وحماتي.

وفجأة ابتسمت وقلت: «عندكم حق.»

الاتنين ارتاحوا، وكأنهم أخيرًا قدروا يفرضوا سيطرتهم عليّا.

أحمد ابتسم وقال: «كنت عارف إنك عاقلة وهتفهمي الكلام.»

هزيت راسي وقلت: «طبعًا. متقلقوش، أنا ههتم بكل حاجة كويس جدًا.»

بعدها أخدت أمي وروحت معاها المحطة عشان ترجع البلد.

طول الطريق كانت ساكتة، ولما وصلنا، عينيها اتمَلَت بالدموع.

قالت لي وهي ماسكة إيدي: «مش عايزة أسيبك يا بنتي وإنتِ لسه بالحالة دي. قلبي مش مطاوعني أمشي وأسيبك لوحدك.»

مسحت دموعها وقلت لها: «يا أمي، إنتِ عملتي أكتر من اللي عليكي بكتير. إنتِ تعبتي عشاني وعشان ابني، ودلوقتي جه دوري أنا.»

افتكرت إنها فهمت إني بتكلم عن إني هتحمل المسؤولية وأسكت.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

لما رجعت البيت، لقيت حماتي قاعدة بتتكلم في التليفون وبتضحك بصوت عالي، بنشاط ما يناسبش واحدة لسه خارجة من غيبوبة مزعومة!

أول ما شافتني، أنهت المكالمة بسرعة وقالت: «بكرة هنعمل حفلة السبوع المتأخرة للبيبي! أنا عزمت كل القرايب، وكلهم هييجوا يباركوا لنا.»

وقفت مكاني وبصيت لها باستغراب مصطنع: «بكرة؟!»

ردت بكل ثقة: «أيوه، بكرة. وإنتِ اللي هتنضفي البيت، وتطبخي، وتجهزي السفرة، وتستقبلي الضيوف.»

أحمد قرب مني وحاول يتكلم بنبرة هادية: «أنا عارف إنك لسه ضعيفة شوية، بس أمي لسه راجعة من بين الحياة والموت، ومينفعش نخليها تتعب نفسها.»

حماتي ابتسمت ابتسامة متعالية وقالت: «أنا عايزة سفرة كبيرة تليق بالعيلة. ومش عايزة أكل جاهز من بره. لازم كل القرايب يشوفوا إن مرات ابني ست بيت شاطرة، وبتعرف تخدم عيلتها كويس.»

هزيت راسي وقلت بهدوء: «متقلقوش.»

سكت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة خلتهم يفتكروا إنهم كسبوا المعركة: «بكرة هتستقبلوا استقبال عمركم ما هتنسوه.»

الاتنين ابتسموا برضا، ومخطرش على بالهم للحظة إن كلامي كان معناه حاجة مختلفة تمامًا عن اللي فهموه.

تاني يوم الصبح، أحمد وحماتي خرجوا بدري عشان يروحوا المحطة ويستقبلوا القرايب اللي جايين من البلد.

وفي الطريق، واحدة من عمات أحمد سألت بقلق: «هي مريم هتقدر تطبخ لكل الناس دي لوحدها؟ دي لسه عاملة عملية قيصرية من شهر واحد!»

أحمد رد بكل ثقة: «قدامها الصبح كله، أكيد هتكون خلصت معظم الحاجات قبل ما نوصل.»

عم تاني تدخل وقال: «طب مش خايفين إنها تزعل منكم؟ دي أمها لسه راجعة البلد، وهي لوحدها في البيت مع طفل صغير.»

حماتي انفجرت في الضحك وقالت باستهزاء: «مريم؟ تزعل؟! دي لسه فاكرة إني كنت في غيبوبة طول الشهر اللي فات!»

سكتت لحظة، وبعدين كملت بفخر: «أنا قلت لها تخلّي أمها ترجع البلد، وسمعت الكلام. قلت لها تهتم بيا وتخدمني، وسمعت الكلام. قلت لها تجهز الحفلة وتطبخ للعيلة كلها، وبرضه سمعت الكلام!»

أحمد ضحك وقال: «فكرة إننا نمثل حادثة وغيبوبة كانت عبقرية فعلًا. كده وفرنا على نفسنا شهر كامل من وجع الدماغ ورعاية واحدة لسه والدة. وفي نفس الوقت، أخدنا إجازة حلوة وسافرنا وغيّرنا جو!»

اللي كانوا قاعدين في العربية سكتوا تمامًا من الصدمة.

لكن حماتي مكنتش مدركة حجم اللي بتقوله، فواصلت كلامها بغرور: «أهو شهر النفاس خلص، ودلوقتي جه وقت الشغل. ما هي دي وظيفة الزوجة في الآخر، تخدم جوزها وأهله!»

اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن واحدة من بنات عم أحمد كانت سايبة موبايلها بيسجل من أول الطريق، لأنها كانت عايزة تحتفظ بتسجيل لذكريات الرحلة العائلية.

وسجلت كل كلمة قالوها.

كل اعتراف.

كل ضحكة.

وكل تفصيلة كشفت حقيقة الحادثة المزعومة والرحلة اللي قضوها سوا.

لكن المفاجأة الأكبر كانت مستنياهم لما وصلوا البيت.

مكانش فيه حِلَل بتغلي على النار.

ولا سفرة مليانة أكل.

ولا زوجة مرهقة بتجري من المطبخ للصالة عشان ترضي حماتها وتخدم القرايب.

اللي كانوا هيلاقوه كان مختلف تمامًا.

أمي كانت راجعة وقاعدة في الصالة.

وجنبها المحامي بتاعي.

ومعاهم اتنين من مندوبي شركة العقارات.

وعلى شاشة التلفزيون الكبيرة، كانت الصور متعرضة بحجم ضخم، صورة ورا صورة، لحماتي وهي بتضحك وتشرب العصاير قدام البحر، وتتمشى في الشوارع السياحية، وتاكل في المطاعم، خلال الفترة اللي زعمت فيها إنها كانت عاجزة عن الحركة وفي غيبوبة!

أما أنا، فكان كل اللي جهزته هو طبق كبير من الفشار.

لأني بعد شهر كامل من الكدب والخداع، قررت أخيرًا إني أقعد مرتاحة وأتفرج.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى