روايات وقصص

شهر من الخداع

قلت له: «أنا سامعاك، لكن مش قادرة أسامحك دلوقتي. ومش هقدر أرجع أعيش معاك كأن حاجة ما حصلتش.»

طلبت منه إننا ننفصل فترة، وإنه يلتزم بمسؤولياته تجاه ابننا، وإن أي محاولة لإصلاح علاقتنا تكون بمساعدة متخصص، مش بمجرد كلام ووعود.

وافق، رغم إن ملامحه كانت بتقول إنه ما كانش متخيل إن الموضوع هيوصل للانفصال.

أما الحاجة نادية، فطلبت مني أكتر من مرة إني أتنازل وأرجع الأمور لطبيعتها. لكنها كانت بتتكلم عن سمعة العيلة وراحة ابنها أكتر ما كانت بتتكلم عن اللي عملته فيّ.

ولما قلت لها إن علاقتنا مش هترجع زي الأول، ردت بغضب: «إنتِ كده بتكسري العيلة!»

قلت لها: «العيلة ما اتكسرتش يوم ما اتكلمت. هي اتكسرت يوم ما قررتوا إن كدبكم أهم من حقيقتي.»

عدت الأيام الأولى بعد المواجهة بصعوبة. كنت بحاول أتعافى جسديًا ونفسيًا، وأرعى ابني يوسف، وأتعلم إزاي أعيش من غير ما أستنى من أحمد إنه ينقذني من نتيجة اختياراته.

أمي فضلت جنبي فترة أطول، تساعدني في البيت وفي رعاية يوسف، لكن المرة دي كنت بتعلم منها إزاي أطلب المساعدة من غير ما أتنازل عن حقي في اتخاذ قراراتي بنفسي.

أحمد بدأ ييجي يشوف ابنه في مواعيد متفق عليها. في البداية، كان بيتعامل مع الموضوع كأنه عقاب ليه، وكان بيحاول يقنعني إني أرجع البيت بسرعة.

لكن لما رفضت، بدأ يفهم إن الانفصال مش وسيلة ضغط، وإن حياتنا مش هترجع لمجرد إنه زهق من الوحدة.

بعد أسابيع، اقترحت عليه إننا نبدأ جلسات علاج زوجي، بشرط إن كل واحد فينا يروح وهو مستعد يسمع الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.

وافق.

في الجلسة الأولى، قالت لنا المعالجة، الدكتورة سلوى: «إحنا مش هنا عشان نثبت مين المذنب ومين الضحية. إحنا هنا عشان نفهم إيه اللي حصل، وهل فيه استعداد حقيقي للتغيير. لكن لازم نكون واضحين: إصلاح العلاقة مش معناه إن الطرف المتضرر ملزم يرجع.»

الكلام ده ريحني؛ لأني كنت خايفة إن كل جلسة تتحول لمحاولة لإقناعي بالتسامح قبل ما أحس بالأمان.

أحمد بدأ يحكي عن خوفه من المسؤولية، وعن اعتماده الدائم على أمه في اتخاذ القرارات، وعن إحساسه إنه لو رفض طلباتها يبقى ابن عاق.

أما أنا، فحكيت عن سنين كنت فيها بسكت عشان أتجنب الخلافات، وعن إني كنت بحاول أرضي الجميع حتى لو على حساب نفسي.

الدكتورة سلوى قالت له: «الخوف من مواجهة أمك مش مبرر إنك تظلم مراتك. إنت مسؤول عن اختياراتك، حتى لو حد تاني ضغط عليك.»

الجملة دي فضلت ترن في ودنه فترة طويلة.

مرت ستة شهور على انفصالنا.

خلال الفترة دي، أحمد بدأ يتغير في تصرفاته، مش في كلامه بس. بقى ملتزم بمواعيد زيارة يوسف، ويتحمل مسؤولياته من غير ما يستنى مني أطلب منه كل حاجة. ولما أمه كانت تحاول تتدخل في قرارات تخص ابنه، بدأ يقول لها بوضوح إن القرار بيني وبينه.

في مرة، اتصلت بيا الحاجة نادية وقالت: «أحمد قال لي إنك مش عايزاني أزور يوسف من غير ما نتفق على ميعاد.»

قلت لها: «صحيح. الاتفاق ده عشان مصلحة يوسف، وعشان كل واحد فينا يعرف حدوده.»

قالت بنبرة متضايقة: «زمان ما كانش فيه الكلام ده كله.»

رديت: «زمان كنت بسكت عن حاجات كتير. دلوقتي بقيت بتكلم.»

قفلت المكالمة وهي لسه مش راضية، لكن للمرة الأولى ما حاولتش أعتذر لمجرد إنها زعلت.

في جلسات العلاج، أحمد اعترف إنه كان بيخاف يواجه أمه، وإنه استخدم انشغالي بالحمل والولادة كفرصة يهرب من مواجهة كان لازم تحصل من زمان.

قال لي في إحدى الجلسات: «أنا كنت فاكر إن إرضاء أمي دليل على إني ابن كويس. ما فهمتش إني كنت بظلمك، وإن السكوت عن غلطها كان في حد ذاته اختيار.»

قلت له: «أنا مش عايزاك تختار بيني وبين أمك. أنا عايزاك تعرف إنك تقدر تحبها من غير ما تسمح لها تتحكم في بيتنا.»

بدأنا نتكلم عن احتمال الرجوع، لكن بشروط واضحة: الصراحة، وتقاسم المسؤوليات، وعدم تدخل أي حد في قرارات بيتنا، وإننا نكمل العلاج حتى لو رجعنا نعيش سوا.

ما رجعتش له لأنني اشتقت للأيام القديمة، ولا لأنني نسيت اللي حصل. رجعت لأنني بدأت أشوف تغييرًا حقيقيًا، ولأنني كنت مستعدة أدي علاقتنا فرصة جديدة، من غير ما أتنازل عن نفسي مرة تانية.

لما أحمد رجع البيت، ما كانش فيه احتفال كبير ولا وعود إن كل حاجة هتبقى مثالية.

كان فيه اتفاق مكتوب بيننا على مسؤوليات البيت ورعاية يوسف، وعلى إن القرارات المهمة لازم ناخدها سوا. وكان فيه موعد ثابت لجلسات العلاج، ومساحة لكل واحد فينا يعبر عن غضبه أو خوفه من غير ما يتحول الكلام لمعركة.

أما الحاجة نادية، ففضلت فترة طويلة شايفة إنني السبب في كل التغييرات دي.

لكن مع الوقت، بدأت تلاحظ إن أحمد بقى أهدى، وإنه مش بيجري ينفذ كل طلباتها على حساب بيته. ولما حاولت تفرض نفسها في بعض القرارات، كان بيرفض بأدب لكن بحزم.

في البداية، اتهمتني إني غيرته عليها.

وفي مرة، قلت لها: «أنا ما طلبتش منك تبعدي عن ابنك. أنا طلبت إنك تحترمي إن ليه بيت ومسؤوليات، وإن أنا مش ضيفة في حياته.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى