
“وإنتِ أمي، وأنا بحبك، لكن ده ما يمنعش إني أقول لك إنك غلطتي. أنا ظلمت منى، وإنتِ كمان ظلمتيها، والمفروض نعتذر لها.”
بصت لي حماتي، وبعد لحظة قالت:
“أنا يمكن اتسرعت في الحكم، بس كنت عايزة أطمن على ابني.”
قلت لها بهدوء:
“وأنا كمان كنت عايزة أطمن على جوزي، وعلى مستقبل أولادي. لكن محدش فيكم فكر يطمن عليا أنا، ولا على إحساسي وأنا بتهم في شرفي بعد الولادة.”
سكتت، وبعدين قالت:
“أنا آسفة يا منى.”
ما كانش اعتذار طويل، لكنه كان أول مرة تعترف فيها إنها غلطت. قلت لها:
“أنا بقبل اعتذارك، لكن أتمنى بعد كده ما نحكمش على حد من غير دليل.”
هزت راسها. وبعدين بصت للبنات وقالت:
“تعالوا يا حبايبي، مين فيكم هيساعدني أعمل لكم حاجة حلوة؟”
البنات جريوا عليها، والجو بدأ يهدى. لكن محمود كان عارف إن اعتذار أمه مش نهاية الموضوع، وإنه هو كمان لازم يكمل التغيير اللي بدأه.
الفصل الثامن: الاختبار الحقيقي
عدت شهور، ويوسف كبر شوية، وبقى يضحك ويلعب مع أخواته. محمود بدأ يهتم بالبيت أكتر، وبقى يرجع من الشغل بدري عشان يقضي وقت مع أولاده. كان بيساعد سلمى في واجباتها، ويلعب مع ليلى، ويسمع لنور وهي بتحكيله عن يومها، ويحمل مريم الصغيرة وهي بتضحك.
وأحيانًا كنت أقف عند باب الصالة وأراقبه، وأفتكر الأيام اللي كنت فيها لوحدي شايلة هم خمس أطفال، وهو مشغول بفكرة الولد اللي لازم ييجي.
لكن رغم كل التحسن، كنت لسه محتاجة أشوف إذا كان اتغير من جواه فعلًا.
وفي يوم، كنا قاعدين على الغدا، وسلمى قالت إنها نفسها تدخل مدرسة رياضية عشان تلعب سباحة. محمود رد بسرعة:
“سباحة إيه بس؟ خليكي في دراستك أحسن.”
وشها اتغير، وسكتت. أنا بصيت له، لكنه ما أخدش باله في البداية. بعدها مريم قالت إنها نفسها تتعلم الرسم، فقال لها:
“الرسم مش هيأكلك عيش، ركزي في دراستك.”
في اللحظة دي، حطيت المعلقة على الطبق وقلت:
“محمود، ممكن نتكلم؟”
بص لي وقال:
“في إيه؟”
قلت له:
“إنت لسه بتكرر نفس الغلطة.”
استغرب:
“غلطة إيه؟”
قلت:
“إنت بتقرر لبناتك إيه اللي ينفع وإيه اللي ما ينفعش من غير ما تسمعهم. سلمى نفسها تلعب سباحة، ومريم نفسها تتعلم الرسم. بدل ما تشجعهم، إنت بتقفل الباب في وشهم.”
قال:
“أنا بخاف على مستقبلهم.”
رديت:
“الخوف عليهم مش معناه إننا نمنعهم من أحلامهم. إحنا دورنا نساعدهم يختاروا الصح، مش نخليهم يحسوا إن أحلامهم أقل أهمية.”
سكت شوية، وبعدين بص للبنات وقال:
“طب خلاص يا سلمى، نشوف مدرسة السباحة، ويا مريم ندور لك على مكان تتعلمي فيه الرسم.”
البنات فرحوا، وسلمى قامت حضنته.
الفصل التاسع: الحقيقة اللي فهمتها بعد كل ده
في عيد ميلاد يوسف الأول، قرر محمود يعمل حفلة صغيرة في البيت. جاب تورتة كبيرة، وزين الصالة بالبالونات، واشترى هدايا لكل البنات، مش ليوسف بس.
لما جه وقت إطفاء الشمعة، شال يوسف وقربه من التورتة، وبعدها نادى على أخواته. قال:
“تعالوا يا بنات، لازم تكونوا مع أخوكم.”
سلمى وقفت جنبه، وليلى ونور ومريم اتجمعوا حواليهم. وأنا كنت واقفة قدامهم، بصورهم بالموبايل.
فجأة محمود بص لي وقال:
“منى، تعالي إنتِ كمان.”
قربت منهم، فمد إيده ومسك إيدي. وبص للكاميرا وقال:
“دي عيلتي كلها.”
الكلمات كانت بسيطة، لكنها كانت مختلفة عن كل مرة قبل كده.
بعد ما الضيوف مشيوا، والبنات ناموا، قعدنا أنا ومحمود في الصالة، والبيت هادي. قال لي:
“فاكرة أول يوم شفت فيه يوسف؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت:
“أنساه إزاي؟”
نزل عينيه وقال:
“أنا كل ما أفتكر اليوم ده، بحس إني مش قادر أسامح نفسي.”
قلت له:
“الندم لوحده مش كفاية يا محمود.”
قال:
“عارف. عشان كده بحاول كل يوم أثبت لك إني اتغيرت.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا كنت فاكر إن الرجولة إني أخلف ولد يشيل اسمي، وإن الأب يبقى ناجح لما يكون عنده ابن ذكر. لكن اكتشفت إن الرجولة الحقيقية إني أكون سند لمراتي، وأب كويس لكل أولادي، سواء كانوا بنات أو ولاد.”
بصيت له، ولأول مرة من وقت طويل، حسيت إن الكلام ده ممكن يكون نابع من قلبه فعلًا. لكني قلت له:
“عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك شكيت فيا وبس. اللي وجعني إنك كنت مستعد تضحي بكل اللي بينا عشان فكرة في دماغك. كنت مستعد تخسر مراتك وأولادك عشان خوفك من إنك ما تجيبش ولد.”
قال:
“أنا عارف.”
كملت:
“أنا مش هقدر أنسى اللي حصل في يوم وليلة، لكن أقدر أشوف اللي إنت بتعمله دلوقتي. والثقة اللي اتكسرت مش هترجع بالكلام، هترجع بالمواقف.”
هز راسه وقال:
“أنا مستعد أستنى.”
في اللحظة دي، ما وعدتوش إني سامحته تمامًا، ولا قلت له إن كل حاجة رجعت زي الأول. لأن الحقيقة إن بعض الجروح بتخف، لكنها بتسيب أثر. ومع ذلك، قررت أدي لنفسي وليه فرصة نشوف إذا كان التغيير هيستمر. مش عشان عندي خمس أطفال ولازم أتحمل أي حاجة، لكن عشان كنت محتاجة أعرف إذا كان جوزي قادر يبقى الشخص اللي كنت فاكرة إني اتجوزته.
الفصل العاشر: بعد خمس سنين
مرت خمس سنين على اليوم اللي اتولد فيه يوسف. خمس سنين اتغير فيهم حاجات كتير.
سلمى كبرت وبقت عندها اتناشر سنة، ودخلت فريق سباحة في مدرستها، وبقت بتحلم إنها تشارك في بطولات كبيرة. ليلى كانت بتحب القراءة، ونور كانت شاطرة في العلوم، ومريم بقت ترسم لوحات جميلة بتعلقها في أوضتها. أما يوسف، فكان طفل مشاغب بيجري في البيت طول النهار، وكل شوية ينادي على واحدة من أخواته عشان تلعب معاه.
ومحمود بقى أب مختلف عن الراجل اللي وقف قدامي في المستشفى يوم الولادة. كان بيحضر مسابقات سلمى، ويشجع ليلى على القراءة، ويساعد نور في تجارب العلوم، ويشتري أدوات رسم لمريم، ويقعد يلعب مع يوسف.
وفي يوم، رجع محمود من الشغل ولقاني قاعدة في البلكونة، وبإيدي ألبوم صور قديم. قعد جنبي، وبص للصورة اللي كنت ماسكاها. كانت صورة لينا في المستشفى يوم ولادة يوسف. أنا كنت مرهقة، ووشي شاحب، لكن كنت حاضنة ابني وابتسم له. أما محمود، فكان واقف بعيد عن السرير، ووشه متجهم.
فضل يبص للصورة فترة طويلة، وبعدين قال:
“أنا مش بحب الصورة دي.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“عشان بتفكرني بأسوأ يوم في حياتي. اليوم اللي كان المفروض أكون فيه أسعد إنسان، لكني اخترت أجرحك بدل ما أفرح بيكي.”
بصيت للصورة وقلت:
“بالنسبالي الصورة دي بتفكرني بحاجة تانية.”
سألني:
“إيه هي؟”
قلت:
“بتفكرني إني كنت أقوى مما كنت متخيلة. كنت خارجة من ولادة صعبة، وتعبانة، ومجروحة، ومع ذلك قدرت أحمي نفسي وأحافظ على كرامتي.”
بص لي وقال:
“إنتِ فعلًا كنتِ أقوى مني.”
ابتسمت وقلت:
“القوة مش إن الواحد ما يغلطش، القوة إنه يعترف بغلطه ويحاول يصلحه.”
سكتنا شوية، وبعدين سمعنا صوت يوسف وهو بيجري ناحيتنا:
“بابا! بابا! سلمى كسبت الميدالية!”
دخلت سلمى ورا أخوها، وكانت ماسكة ميدالية ذهبية، ووشها منور بالفرحة. محمود قام بسرعة، وحضنها وقال:
“ألف مبروك يا بطلة!”
وبعدين نادى على باقي البنات، واتجمعوا كلهم في الصالة. كان المشهد بسيط، لكنه كان بالنسبالي أجمل من أي حاجة. عيلة كاملة، فيها أربع بنات وولد، وكل واحد فيهم ليه حلمه وشخصيته ومكانه.
وبالليل، لما الأطفال ناموا، محمود قرب مني وقال:
“منى، عايز أسألك سؤال.”
قلت له:
“اتفضل.”
قال:
“لو رجع بيا الزمن لليوم ده، يوم ما شفت يوسف لأول مرة، تتخيلي كنت هقول إيه؟”
بصيت له شوية، وبعدين قلت:
“كنت هتبص لابنك وتقول الحمد لله، وتبص لمراتك وتقول لها شكرًا إنك تعبتي وجبتيه للدنيا.”
ابتسم بحزن وقال:
“كان نفسي أكون عملت كده.”




