روايات وقصص

اربع بنات وولد

“ليه ما قلتليش؟”

رد بصوت واطي:

“عشان كنت خايف.”

سألته:

“خايف من إيه؟”

بص لي وقال:

“من إني أكون السبب في إننا ما نجيبش ولد.”

حسيت إن الصورة بدأت تتضح قدامي، لكني ما كنتش عايزة أستنتج حاجة من غير ما أسمع منه.

قلت له:

“يعني إنت كنت عارف إن فيه احتمال إن المشكلة تكون عندك؟”

هز راسه:

“الدكتور وقتها قال إن فيه مؤشرات محتاجة متابعة، وإن التحليل لوحده ما يكفيش عشان نعرف كل حاجة. وأنا خفت أروح تاني.”

سألته بذهول:

“طب ليه كنت كل مرة تزعل لما نخلف بنت؟”

رد وهو باصص للأرض:

“كنت بحاول أقنع نفسي إن المرة الجاية هتكون ولد. كنت فاكر إن لو جبت ولد، هحس إني حققت حاجة كبيرة، وإن محدش هيبص لي إني أقل من باقي الرجالة.”

في اللحظة دي، حسيت بغضب شديد. مش لأنه كان خايف، لكن لأنه حول خوفه لعذاب ليا ولبناته.

قلت له:

“يعني بدل ما تواجه خوفك، فضلت تضغط عليا أحمل وأولد كل سنة، وتخليني أحس إني مقصرة، مع إنك كنت عارف إن الموضوع مش بإيدي لوحدي؟”

قال بسرعة:

“أنا ما كنتش متأكد من حاجة.”

رديت:

“حتى لو ما كنتش متأكد، كان المفروض تواجه الموضوع معايا. إحنا متجوزين، والمفروض نكون فريق واحد، مش كل واحد يخبي عن التاني أسراره ويحمّله ذنبه.”

نزل راسه وقال:

“عندك حق.”

لكن أنا كنت لسه عندي سؤال مهم:

“محمود، إنت كنت شاكك فيا بسبب شكل يوسف بس؟ ولا كنت شاكك فيا من قبل كده؟”

رفع عينيه وقال:

“لا، أنا ما كانش عندي أي دليل ولا أي سبب. أنا بس لما شفت يوسف، خفت يكون حلمي ضاع مني، وتصرفت بغباء.”

قلت له:

“حلمك ما ضاعش يا محمود. إنت عندك خمس أطفال، وكلهم محتاجين أب يحسسهم إنهم نعمة، مش مشروع لازم ينجح على مزاجه.”

ما ردش. وفي الليلة دي، اتفقنا إن محمود يرجع يتابع مع طبيب متخصص عشان يفهم نتائج التحاليل القديمة، وإننا لو احتجنا أي فحوصات إضافية نعملها سوا، من غير لوم ولا اتهامات. ولأول مرة، حسيت إنه بدأ يواجه نفسه بدل ما يهرب من خوفه.

الفصل السادس: يوم ما يوسف تعب
بعد حوالي شهرين، يوسف تعب فجأة. كانت حرارته عالية، وفضل يعيط بشكل مختلف عن المعتاد. شيلته بسرعة واتصلت بمحمود، اللي كان في الشغل.

قلت له وأنا مرعوبة:

“محمود، يوسف تعبان جدًا، حرارته عالية ومش بيهدى. أنا رايحة المستشفى.”

قال لي:

“أنا جاي حالًا.”

وصلت المستشفى قبله، والدكتور أخد يوسف عشان يفحصه، وطلب شوية تحاليل للاطمئنان. كنت واقفة بره الأوضة، إيدي بتترعش، وكل اللي بفكر فيه إن ابني لسه صغير ومش مستحملة أشوفه بيتألم.

محمود وصل بعد شوية، وأول ما شافني قرب مني وسأل:

“أخباره إيه؟”

قلت له وأنا بعيط:

“لسه الدكتور بيفحصه.”

مسك إيدي وقال:

“إن شاء الله خير.”

ولأول مرة من وقت طويل، ما حسيتش إن كلامه مجرد محاولة عشان يرضيني. حسيت إنه فعلًا خايف على ابنه.

بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن يوسف محتاج متابعة وعلاج، وإنهم هيحتفظوا بيه فترة قصيرة للاطمئنان على حالته.

دخل محمود عنده، ووقف جنب السرير الصغير. يوسف كان نايم، ووشه مرهق. محمود مد إيده ولمس راسه، وبعدها بص لي وقال:

“أنا ما كنتش متخيل إني ممكن أخاف على حد بالشكل ده.”

قلت له:

“وده طبيعي، ده ابنك.”

رد بصوت مكسور:

“أنا كنت غبي يا منى. كنت فاكر إن وجود ولد هو اللي هيخليني أحس إني أب ناجح، لكن لما شفته تعبان، ما فكرتش في أي حاجة غير إنه يقوم بالسلامة.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“وفكرت في بناتي كمان. لو واحدة منهم كانت مكانه، كنت هبقى خايف عليها بنفس الطريقة. أنا اللي كنت بفرق بينهم من غير ما أحس.”

ما رديتش عليه، لكني حسيت إن كلامه المرة دي مختلف.

بعد ساعات، حالة يوسف استقرت، والدكتور طمّنا إنه بيتحسن. خرجنا من المستشفى بعد يومين، ومحمود كان شايل يوسف بنفسه طول الطريق. ولما رجعنا البيت، سلمى جريت علينا وسألت:

“يوسف بقى كويس يا بابا؟”

ابتسم محمود وقال:

“الحمد لله يا حبيبتي، أخوكي بقى أحسن.”

وبعدين حضنها وأضاف:

“تعرفي إيه؟ أنا كمان عندي أربع بنات شجعان، وقلبي مش هيكمل من غيركم كلكم.”

سلمى ابتسمت وحضنته. وأنا كنت واقفة بعيد، بتفرج على المشهد، وبفكر إن الإنسان ممكن يبدأ يتغير فعلًا، لكن لازم يثبت ده كل يوم، مش في لحظة تأثر وخلاص.

الفصل السابع: المواجهة الأخيرة مع حماتي
بعد فترة، قررت حماتي تزورنا. كانت أول زيارة ليها من وقت موضوع التحليل. دخلت البيت، وسلمت على البنات، وبعدها راحت ناحية يوسف وقالت:

“تعالى يا حبيبي لجدو… أقصد لتيتا.”

شالت يوسف، وقعدت تداعبه، وبعد شوية قالت لمحمود:

“أنا لسه مش قادرة أنسى اللي حصل. الحمد لله إن التحليل طلع سليم، بس كان لازم نطمن.”

محمود بص لها وقال:

“يا أمي، الموضوع خلص.”

ردت:

“أنا عارفة، بس أنا كنت خايفة عليك.”

قال لها بحزم:

“خوفك عليا ما كانش مبرر إنك تجرحي مراتي. منى ما عملتش أي حاجة تستحق اللي حصل.”

حماتي اتصدمت من طريقته:

“إنت بتكلمني أنا كده يا محمود؟ أنا أمك!”

رد عليها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى