قصص و روايات

نامت علي كتف الشيخ

كان عارف إن الشيخ راشد مش بيحب حد يتجاوز مساحته الشخصية، حتى لو كانت مجرد حركة بسيطة من غير قصد.

اقترب من الممر، وخفض صوته:

سيدي، تسمح لي أبعدها عن حضرتك؟

الحارس التاني قام هو كمان، ومستعد يتدخل لو اتطلب منه.

بعض الركاب لاحظوا الحركة، وبدأوا يبصوا ناحية المقعد.

كانوا متوقعين إن الشيخ راشد يبعد البنت بعصبية، أو يصحيها بطريقة تخليها تحس بإحراج شديد.

لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا.

الشيخ راشد رفع إيده بهدوء، من غير ما يبعد كتفها، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:

محدش يلمسها.

الحارس وقف مكانه.

لكن يا سيدي، هي…

الشيخ راشد رفع عينيه ناحيته.

نظرة واحدة كانت كفاية تخليه يسكت فورًا.

قلت محدش يلمسها.

رجع الحارسان لمكانهما، وهما بيتبادلوا نظرات الاستغراب.

أما الركاب اللي كانوا متابعين الموقف، فبقوا مش فاهمين حاجة.

إزاي الشيخ راشد، اللي معروف إنه مبيسمحش لأي حد يتجاوز حدوده، سايب بنت غريبة تنام على كتفه؟

وليه منع حراسه إنهم يصحوها؟

هل كان ناوي يتصرف معاها بنفسه لما تصحى؟

ولا في حاجة تانية محدش فاهمها؟

الأسئلة فضلت معلقة في الجو، لكن مفيش حد كان عنده الجرأة يسأله.

الشيخ راشد رجع بص لإيما.

لاحظ إنها كانت بتتنفس بهدوء، وإن ملامحها بتتغير كل شوية كأنها بتحلم بحاجة مقلقاها.

كان في تجعيدة صغيرة بين حاجبيها، وحتى وهي نايمة كانت إيديها مشدودة على شنطتها.

لسبب ما، المنظر ده خلاه يفتكر أشخاص كتير شافهم في حياته.

أشخاص كانوا بيخفوا تعبهم علشان ميطلبوش مساعدة من حد.

وأشخاص كانوا بيحاولوا يظهروا أقوياء، رغم إنهم من جواهم على وشك الانهيار.

الشيخ راشد رجع بنظره للشباك.

لكنه بعد ثواني، اكتشف إنه مش قادر يركز في الأوراق اللي قدامه زي الأول.

كان حاسس بحركة راس إيما البسيطة مع كل نفس، وكان ممكن يبعد كتفه بسهولة.

لكن الغريب إنه مكنش عايز يعمل كده.

مش لأنه يعرفها.

ولا لأنه كان عنده أي سبب يخليه يهتم بيها.

لكن لأنها ببساطة كانت واضحة إنها وصلت لمرحلة من التعب خلتها تفقد قدرتها حتى على مقاومة النوم.

مرت دقايق، وبعدها الشيخ راشد ضغط على زر استدعاء المضيفة.

لما وصلت، وقفت جنبه باحترام.

تحت أمرك يا فندم.

أشار الشيخ راشد ناحية إيما، وقال بصوت هادي:

ممكن تجيبي لها بطانية؟ الجو هنا بارد.

المضيفة بصت للبنت، وبعدها بصت للشيخ راشد، كأنها مش متأكدة إنها سمعت الكلام صح.

حاضر يا فندم.

مشيت بسرعة، وبعد لحظات رجعت ببطانية خفيفة.

مدتها له، لكنه أخدها بنفسه.

وبكل هدوء، فرد البطانية على إيما وغطى كتفيها وجزء من جسمها، بحرص شديد علشان متصحاش.

الحركة كانت بسيطة جدًا.

لكن بالنسبة للناس اللي شافوها، كانت حاجة مستحيل يصدقوها بسهولة.

راجل بمكانة الشيخ راشد، اللي حواليه عشرات الموظفين والحراس اللي بينفذوا أوامره، هو بنفسه اللي غطى بنت غريبة نايمة على كتفه!

المضيفة وقفت للحظة، وبعدها ابتعدت بهدوء.

واحدة من الراكبات اللي كانت قاعدة في الصف المقابل همست لجوزها:

هو ده فعلًا الشيخ راشد؟

الراجل رد عليها بصوت واطي:

أيوه، أنا متأكد. عمري ما سمعت إنه عمل حاجة زي دي قبل كده.

أما الحارسان، فكانوا لسه في حالة ذهول.

واحد منهم مال ناحية التاني وهمس:

إنت شوفت اللي حصل؟

التاني رد من غير ما يرفع عينيه:

شوفت. بس متسألنيش ليه، لأني مش فاهم حاجة.

الشيخ راشد سمع همسهم، لكنه تجاهلهم.

فضل قاعد في مكانه، وإيما مستندة على كتفه، والبطانية بتغطيها.

ولأول مرة من فترة طويلة، قرر إنه يسيب شغله شوية.

قفل الجهاز اللوحي، وحطه على الترابيزة الصغيرة قدامه.

وبص من الشباك للسما الواسعة.

كان في هدوء غريب جواه، هدوء مش متعود عليه.

لكن الهدوء ده مكنش هيستمر طويلًا.

مر حوالي ساعة، وإيما بدأت تتحرك في نومها.

فتحت عينيها ببطء، وحاولت تستوعب هي فين.

في البداية، كانت مشوشة تمامًا. بصت من الشباك، وبعدها بصت على البطانية اللي مغطياها.

وبعدين حسّت إنها مستندة على حاجة صلبة ودافئة.

رفعت راسها ببطء.

وفي اللحظة اللي استوعبت فيها إنها كانت نايمة على كتف راجل غريب، اتسمرت مكانها.

عينيها اتفتحت على آخرها، ووشها احمر من الإحراج.

اعتدلت في قعدتها بسرعة، وشدت البطانية من غير قصد.

يا إلهي!

أنا آسفة جدًا!

صوتها كان مهزوز، وكانت مش عارفة تبص له في عينيه ولا تبص للأرض.

أنا والله مكنتش أقصد! أنا مش عارفة إزاي نمت بالشكل ده. أنا آسفة، بجد آسفة جدًا.

حاولت تعدل شعرها، وبعدين مدت إيدها علشان تشيل البطانية وتحطها على الكرسي.

دي البطانية بتاعتك؟ أنا آسفة، مكنتش أعرف…

الشيخ راشد أشار لها بإيده إنها تهدى.

مفيش مشكلة.

إيما رفعت عينيها له باستغراب.

كانت متوقعة إنه يزعق فيها، أو يطلب منها تغير مكانها، أو على الأقل يبصلها بنظرة غضب.

لكن ملامحه كانت هادية بشكل غريب.

قال لها:

إنتِ كنتِ تعبانة. خدي راحتك.

إيما فضلت ساكتة لحظات، كأنها مش قادرة تستوعب الرد.

بس أنا نمت على كتف حضرتك طول الوقت؟

أيوه.

وأنا آسفة جدًا.

بص لها الشيخ راشد وقال:

اعتذرتِ خلاص. مش محتاجة تفضلي تعتذري.

كان بيتكلم بهدوء، من غير أي نبرة استعلاء.

إيما نزلت عينيها، وفضلت تفرك صوابعها ببعض من التوتر.

لكن بعد ثواني، لاحظت الحارسين اللي قاعدين قدامها، ولاحظت كمان إن بعض الركاب كانوا بيبصولها باستغراب.

بدأ القلق يرجع لها.

هو مين الراجل ده؟

وليه معاه حارسين؟

وليه كل الناس حواليه بتتعامل معاه بحذر شديد؟

كانت هتسأله عن اسمه، لكنها تراجعت في آخر لحظة.

بدلًا من كده، قالت بصوت خافت:

شكرًا على البطانية.

الشيخ راشد أومأ برأسه، وبعدها رجع يبص قدامه.

إيما افتكرت إن الموضوع انتهى، فبدأت ترتب حاجتها وتراجع الملف الطبي اللي معاها.

لكنها كانت متوترة لدرجة إنها وقعت منها ورقة على الأرض.

انحنت بسرعة علشان تجيبها، لكن الشيخ راشد كان أقرب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى