
التقط الورقة، وقبل ما يمدها لها، وقعت عينه على اسم المستشفى المكتوب فوقها، وعلى عبارة تشير إلى موعد فحص طبي عاجل.
مد الورقة ناحيتها.
إنتِ مسافرة علشان العلاج؟
إيما أخدت الورقة بسرعة، وحاولت تخفي الملف.
أيوه يعني، أبويا هو اللي محتاج العلاج.
سألها:
هو في المدينة اللي رايحينها؟
أيوه.
سكت لحظة، وبعدها قال:
حالته خطيرة؟
إيما مكنتش متعودة تتكلم عن مشاكلها مع الغرباء. طول الوقت كانت بتحاول تظهر إنها قادرة تتصرف، وإن كل حاجة تحت السيطرة.
لكن التعب كان أكبر من قدرتها على إخفاء مشاعرها.
قالت:
هو تعبان بقاله فترة، والدكاترة قالوا إنه محتاج فحص مهم. المستشفى اللي عندنا مش عندها الإمكانيات المطلوبة، ولازم نلحق الموعد علشان نعرف نبدأ العلاج المناسب.
حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها كانت باهتة.
إن شاء الله خير.
الشيخ راشد فضل باصص لها للحظة.
وإنتِ شغالة فين؟
ممرضة في مستشفى صغير هنا في المدينة.
وسافرتِ لوحدك؟
إيما هزت راسها.
أيوه. أبويا هيسافر معايا بعد ما نوصل، أخويا هيساعدني في نقله من المطار للمستشفى.
كانت بتتكلم وهي بتحاول تلم الورق اللي اتبعثر في حضنها.
وفجأة، وقفت عن الكلام.
حسّت إن دموعها قربت تنزل، فعضت على شفايفها وحاولت تسيطر على نفسها.
مكانتش عايزة تبكي قدام حد غريب.
خصوصًا الراجل اللي كانت من شوية نايمة على كتفه من غير ما تعرف حتى اسمه.
الشيخ راشد لاحظ إنها بتحاول تمنع دموعها.
لكنه موجهش لها أسئلة زيادة.
قال بهدوء:
ربنا يشفيه.
الكلمتين كانوا بسيطين، لكن إيما رفعت عينيها له باستغراب.
مكنتش متوقعة منه الدعوة دي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
شكرًا لحضرتك.
وبعدها رجعت تبص من الشباك، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها لازم تكون قوية.
أما الشيخ راشد، ففضل ساكت لبقية الرحلة تقريبًا.
لكن كلام البنت فضل في باله.
ممرضة بتشتغل ورديات متواصلة، وبنت بتحاول تنقذ أبوها، ومسافرة بتذكرة رخيصة لأنها مش قادرة تتحمل مصاريف أكتر.
حاجات بسيطة، لكنها كانت كفاية تخليه يفكر في حياتها.
كان يقدر يسألها عن تفاصيل أكتر.
كان يقدر يعرض عليها المساعدة فورًا.
لكنه مكنش عايز يحطها في موقف محرج، ولا يخليها تحس إنها مدينة له بحاجة.
فقرر يستنى.
قبل هبوط الطيارة بحوالي عشرين دقيقة، الشيخ راشد فتح موبايله وبعت رسالة قصيرة لرئيس فريق الحراسة الخاص بيه.
الرسالة كانت واضحة ومختصرة:
عايز أعرف الإجراءات الطبية المطلوبة لمريض اسمه…
وبعدها أضاف اسم المستشفى اللي ظهر على الورقة، وطلب من مساعده يتأكد من المعلومات من خلال القنوات الرسمية، من غير ما يتدخل في خصوصية البنت أو يسبب لها أي مشكلة.
رئيس فريق الحراسة رد بسرعة:
حاضر يا سيدي.
الشيخ راشد قفل الموبايل، وبص ناحية إيما.
كانت بتراجع الأوراق الطبية للمرة الأخيرة، وبتتأكد إن كل التحاليل موجودة.
وشها كان لسه مرهق، لكنها بقت أهدى شوية بعد ما نامت.
وقبل ما الطيارة تهبط، التفتت له وقالت:
أنا عارفة إني اعتذرت كتير، بس فعلًا شكرًا إن حضرتك اتعاملت معايا بالشكل ده.
بصلها الشيخ راشد وقال:
متشغليش بالك بالموضوع.
وبعد لحظة صمت، أضاف:
اهتمي بأبوكي، ده أهم شيء دلوقتي.
إيما ابتسمت، وقالت:
هو أغلى حاجة عندي في الدنيا.
الشيخ راشد ماردش.
لكنه فضل فاكر الجملة دي.
هو أغلى حاجة عندي في الدنيا.
كان عنده فلوس كتير، وبيوت وشركات وممتلكات، لكنه من زمان مبقاش يسمع حد بيتكلم عن شخص بالطريقة دي.
معظم الناس اللي حواليه كانوا بيتكلموا عن مصالحهم، وعن الصفقات، وعن المكاسب والخسائر.
أما البنت دي، فكل اللي كانت بتفكر فيه هو أبوها.
ولما الطيارة هبطت أخيرًا، إيما قامت بسرعة، وبدأت تجهز شنطتها.
اعتذرت له مرة أخيرة، وبعدها نزلت من الطيارة وهي بتجري تقريبًا ناحية صالة الوصول.
كانت عايزة تلحق أخوها، وتنقل أبوها للمستشفى، وتبدأ الإجراءات قبل ما يفوت الموعد.
الشيخ راشد تابعها بعينيه لثواني، وبعدها قام من مكانه.
واحد من الحارسين قرب منه وسأله:
العربية جاهزة يا سيدي.
الشيخ راشد أومأ برأسه.
وقبل ما يتحرك، قال:
وصلتكم أي معلومات عن المستشفى؟
الحارس رد:
الفريق بدأ يتابع الموضوع، يا سيدي. هنبلغ حضرتك أول ما نعرف التفاصيل.
الشيخ راشد قال بحسم:
من غير ما حد يضايق البنت أو يخليها تحس إن في حد بيراقبها. أنا عايز أعرف بس إيه المساعدة اللي ممكن تتقدم بشكل صحيح.
أمرك يا سيدي.
وبعدها خرج الشيخ راشد من المطار، وركب عربيته الفاخرة، وانطلق ناحية الفندق اللي كان المفروض يقيم فيه قبل اجتماع اليوم التالي.
لكن الموضوع بالنسبة له مكنش مجرد موقف عابر على الطيارة.
كان في حاجة جواه بتقوله إن البنت دي محتاجة مساعدة حقيقية، وإنه لو يقدر يخفف عنها جزء من الحمل اللي شايلته، يبقى لازم يعمل كده.
من غير ضجة.
ومن غير ما يطلب منها أي مقابل.
في الناحية التانية، كانت إيما وصلت للمستشفى المتخصص، وهناك قابلت أخوها اللي كان مستنيها.
أول ما شافته، سألها بسرعة:
إنتِ كويسة؟ شكلك تعبان جدًا!




