
أمي هزت رأسها، وقالت أنا غلطت إني ما سألتش، وغلطت إني ما قلتلكيش. كنت خاېفة لما تعرفي تحسي إني ضيعت أمانة أبوكي.
سكتُّ شوية، وبعدها قلت أنا مش هقدر أحكم على اللي حصل غير لما أشوف الورق. بس من النهارده مفيش أسرار تاني بينا، يا ماما. أي حاجة تخص أبويا أو الفلوس لازم أعرفها.
أمي قامت وفتحت الصندوق الخشب مرة تانية.
فيه حاجة تانية محتفظة بيها. يوم ما الراجل ده جه، كان معاه ظرف عليه اسم أبوكي. أنا خبيته لأنني حسيت إن فيه حاجة مش مريحة، وما عرفتش أتصرف إزاي.
طلعت ظرفًا صغيرًا، ولما فتحته، لقيت إيصالًا قديمًا عليه ختم، واسم شخص مكتوب في آخر الصفحة.
الاسم كان محمود عبدالسلام.
نفس اسم زوج نادية!
بصيت لأمي وقلت محمود جوز نادية؟!
أمي قربت الورقة من عينيها، واټصدمت هي كمان.
أنا ما كنتش أعرف إن ده اسمه الكامل. الراجل اللي جه وقتها كان بيقول إن اسمه الأستاذ محمود، وإنه مندوب عن المحامي.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
هل محمود جوز نادية هو نفسه الشخص اللي جه لأمي من سنين؟ وهل كان متورطًا في اختفاء فلوس أبويا؟ ولا فيه شخص تاني بنفس الاسم؟
ما كانش ينفع أتهم حد من مجرد اسم على ورقة قديمة.
صورت المستندات، وحطيتها في ملف، واتصلت بالمحامي وحددت معاه مقابلة تاني يوم.
في مكتب المحامي، حطيت كل الأوراق قدامه، بما فيها جواب أبويا وإيصال الاستلام القديم.
راجعهم بهدوء، وبعدها قال عندنا دلوقتي خيوط مهمة، لكن لازم نتحقق من هوية الشخص المذكور في الإيصال، ونراجع الختم والتوقيع، ونعرف هل فيه ملف قانوني قديم للمبلغ ده. ما ينفعش نعتبر تشابه الأسماء دليل إدانة.
سألته ولو طلع فعلًا محمود جوز نادية؟
رد ساعتها هنطلب منه تفسيرًا، ونراجع علاقته بالمستندات والتحويلات. والأهم إننا نحدد مسار الفلوس بالأدلة.
وبعد ما خلصنا، قال لي فيه طلب رسمي نقدر نبدأ بيه لمراجعة ملكية الأرض والشقة، حسب المستندات المتاحة. لكن لازم تعرفي إن حقوق الأرض وحقوق الأموال مسألتان مختلفتان، وممكن كل واحدة فيهم تحتاج إجراءات منفصلة.
خرجت من المكتب وأنا لأول مرة حاسة إن عندي طريق واضح أمشي فيه، حتى لو الحقيقة هتوجعني.
لكن قبل ما أوصل البيت، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول حضرتك مريم، بنت المرحوم عم صابر؟
قلت بحذر أيوه، مين معايا؟
أنا يوسف. كنت بكلمك امبارح، بس المكالمة اتقطعت. محتاج أشوفك مع المحامي بتاعك، لأن فيه ورق وصلني النهارده لازم تعرفيه.
اتفقنا نتقابل في مكتب المحامي بعد يومين.
يوم المقابلة، دخل يوسف المكتب وهو شايل شنطة جلد قديمة.
كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية، لكن التعب باين في عينيه.
أول ما شافني، وقف وقال شبه أبوكي جدًا يا مريم.
الجملة دي وجعتني؛
لأنني افتكرت أبويا، وافتكرت قد إيه كنت محتاجة حد يحميني بعد مۏته.
قعد يوسف وفتح الشنطة، وطلع منها صورة عقد أرض، وكشف حساب قديم، وخطاب بخط والد أحمد.
المحامي بدأ يراجع الأوراق، وبعد فترة رفع عينيه وقال لو المستندات دي صحيحة، فهي بتشير إن فيه شراكة قديمة، وإن فيه مبالغ اتدفعت في أكتر من مرحلة. لكن محتاجين نتحقق من أصل كل مستند ومن التسجيلات الرسمية.
يوسف بص لي وقال أبوكي ما كانش عايزك تاخدي حق حد، ولا حد ياخد حقك. هو كان عايز كل واحد ياخد نصيبه بالقانون.
سألته طب ليه أمي مضت على إيصال استلام؟ ومين محمود اللي كان بيتابع الموضوع؟
يوسف تنهد وقال بعد ۏفاة أبوكي، والد أحمد طلب مني أساعده في تسوية حسابات الشراكة. لكن والدته دخلت في الموضوع، وبدأت تقول إن الأرض لازم تفضل في العيلة، وإنك صغيرة ومش هتعرفي تحافظي على حقك.
وإنت عملت إيه؟
رفضت أوقّع على أي تنازل من غير ما تكوني عارفة. وبعدها اتقال لي إن الموضوع اتقفل، وإن والدتك استلمت المبلغ.
المحامي سأله هل عندك دليل إن المبلغ ما اتسلمش؟
يوسف أخرج كشف الحساب، وأشار إلى سطر محدد.
ده كشف حساب قديم من الجهة اللي كانت بتدير المبالغ. التحويل اللي اتسجل هنا راح لحساب باسم شخص مختلف عن اسم والدتك. أنا وقتها اعترضت، لكن ما كانش معايا صورة من كل المستندات.
المحامي ركز في البيانات، وبعدها قال لازم نتحقق من الحساب المستفيد ومن المستند اللي اتعمل بناءً عليه التحويل. ده ممكن يكون أهم خيط عندنا.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين صاحب الحساب؟
يوسف بص لي، وبعدها قال مش عايز أظلم حد، لكن الاسم اللي ظاهر في النسخة دي هو اسم…
وقبل ما يكمل، باب المكتب اتفتح فجأة.
دخل أحمد، ووشه مليان ڠضب.
يوسف! إنت إزاي تطلع الورق ده من غير ما تبلغني؟!
المحامي وقف وقال بحزم إحنا في مكتب قانوني، ولو عندك مستندات أو اعتراضات، تقدر تقدمها بالطريقة الصحيحة. لكن مفيش داعي للصوت العالي.
أحمد ما ردش عليه. كان باصص ليوسف، وكأنه خاېف من كلمة واحدة تخرج من بقه.
أنا وقفت وقلت إنت خاېف من إيه يا أحمد؟ من إن حقي يرجع، ولا من إننا نعرف مين أخد الفلوس؟
أحمد بص لي، وعينيه اتمَلَت بالدموع.
أنا خاېف تعرفي الحقيقة كلها، يا مريم.
الحقيقة اللي إنت مخبيها عني من يوم ما اتجوزنا؟ اتكلم!
سكت لحظة، وبعدها قال
الحساب اللي الفلوس اتحولت عليه… كان حساب أبويا.




