روايات وقصص

جوزي كان دكتور

أول حاجة عملها محمود إنه أخد عربيته وجري على مكتب سارة المحامية، بعد ما فشل إنه يوصللي لأن رقمي كان مقفول تماماً.

دخل المكتب زي المجنون، ضرب الباب بإيده وقال بعصبية وصوت عالي: سارة فين؟! إيه الجنان اللي أنتم عاملينه ده؟! طلاق إيه وإعلان محكمة إيه قدام زمايلي في المستشفى؟! هي اتجننت؟!

سارة المحامية كانت قاعدة ورا مكتبها بتهدئة قاطعة، شاورت له على الكرسي وقالت ببرود: اقعد يا دكتور محمود ووطي صوتك.. أنت هنا في مكتب محاماة مش في العناية المركزة. موكلتي سارة اتخذت قرارها بعد ما راجعت كل البيانات والدلائل اللي تثبت إن العلاقة دي انتهت من أسبوعين.

محمود قعد وهو بينهج، وحاول يرجع لنبرة الهدوء والبرود اللي بيتعامل بيها دايماً: بيانات إيه وتفاهة إيه؟! أنا كنت في مشروع زراعة أعضاء قومي! كنت محبوس في وحدة العزل بنقذ أرواح! هي مش قادرة تفهم شغلي وطبيعة مسؤولي المباشرة؟! لما طلعت من العزل كانت هي خرجت وسابت البيت وحطت الدبلة على التقرير كأنها طفلة بتلعب!

سارة المحامية ابتسمت ابتسامة هادية، وطلعت ملف أبيض من الدرج ورمته قدامه على الترابيزة: الطفلة دي يا دكتور مدققة جودة طبية.. وقبل ما تمشي، دخلت على السستم وشافت اللائحة التنفيذية لبروتوكول مشروع زراعة الأعضاء.. البند رقم 14 الفقرة ب يسمح باستثناء طارئ ساعتين بالتعقيم الكامل للحالات الحرجة للأقارب من الدرجة الأولى.

محمود اتجمد مكانه، وعينيه وسعت بصدمة.

سارة كملت وهي بتبص له بثبات: سارة كانت بين الحياة والموت في الدور ال 17 بسبب انفجار الزائدة والتهاب بريتوني حاد.. على بعد 5 أدوار بس منك! أنت ما قدمتش طلب استثناء واحد.. مش بس كده، بعد ما العزل خلص، قعدت 10 أيام كاملين بين حفلات عشاء وتكريمات وتصوير قنوات، وما كففتش نفسك تطلع الأسانسير 30 ثانية تطمن عليها أو حتى ترفع سماعة التليفون الأرضي للأوضة!

محمود فكه اتشد، وحس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه.. الكذبة اللي كان بيتدارى وراها اتهدمت بتقرير ورقم كودي من السستم!

بدأ يفرك إيديه بتوتر، وصوته نزل لدرجة الهمس: أنا.. أنا كنت مضغوط.. والعمليات كانت ورا بعضها، وكنت فاكر إنها بقت كويسة ومسألة وقت.. أنا محتاج أكلمها! هي فين يا سارة؟! خليني أشوفها وأفهمها بنفسي!

سارة المحامية وقفت وردت بصرامة: مش هتعدي من بابها يا محمود. التسوية المادية معروضة عليك بالعدل: البيت يتقسم بالنص، وكل واحد ياخد حسابه وعربيته.. توقع وتطلق بهدوء، ولا نحولها لقضية وزيادة عليها تفاصيل مش هتعجبك؟

محمود وقف بغضب، وحاول يرجع كبرياءه المفتعل: مش هوقع! وهي مش هتطول مني حاجة! وخليها أعلى ما في خيلها تركبه!

ساب المكتب وخرج يبتدئ حرب قضائية عشان يثبت لنفسه إنه هو اللي صاحب اليد العليا.. بس محمود ما كانش يعرف إن الضربة الكبيرة مش جاية من المحكمة.. الضربة كانت جاية من جوة سستم المستشفى نفسه!

قبل ما أخرج من المستشفى بيوم واحد.. لما كنت ممددة على السرير وبراجع السجلات على التابلت بتاعي كمدققة جودة عشان أشوف بروتوكول العزل، بالصدفة المجرّدة عيني وقعت على حاجة غريبة جداً في سجل المشتريات والطلبيات الطبية الخاصة بالقسم اللي محمود شغال فيه.

بحكم شغلي، أنا بعرف أقرأ الأرقام الكودية لأدوية التثبيط المناعي اللي بتستخدم لمرضى زراعة الأعضاء.

لقيت إن قسم جراحة القلب استلم 50 عبوة من دواء مستورد دقيق جداً ونادر لمنع رفض الأعضاء.. بس السجلات الإدارية للمرضى اللي اتعملت لهم عمليات في المشروع ما كانش مقيد فيها غير استهلاك 20 عبوة بس!

فيه 30 عبوة اختفوا في ظرف شهرين!

سعر العبوة الواحدة يتعدى ال 100 ألف جنيه، غير إنها غير متوفرة في السوق المصري وبيتم استيرادها باسم الدولة والمشروع القومي فقط!

ما سكتش. كمدققة جودة، حطيت الكود في السستم الداخلي الخاص بالهيئة الرقابية الصحية اللي أنا تابعة ليها، وعملت تتبع لشحنة الدواء المفقودة.

والمفاجأة؟ ال 30 عبوة دول اتصرفوا بروشتات تحمل التوقيع الكودي للدكتور محمود.. وتم نقلهم لمستشفى خاص شهير في التجمع الخامس، لمرضى بيعملوا عمليات زراعة أعضاء بعيداً عن الرقابة والمشروع القومي لحساب رجال أعمال وأجانب بفلوس خيالية!

محمود ما كانش بس مهمل وقاسي مع مراته.. محمود كان داخل في شبكة إعادة بيع وتهريب أدوية بروتوكولات زراعة الأعضاء لحسابه الخاص بالتعاون مع إداريين في المستشفى!

السر اللي مكتوب في ملف المستشفى ما كانش مجرد إثبات إهماله ليا.. ده كان ملف قضية فساد كاملة كفيلة برفع الحصانة عنه، وسحب رخصة ممارسة المهنة، وسجنه سنوات طويلة!

بعد أسبوعين من وصول إعلان الطلاق لمحمود.. كنت قاعد في كافيه هادي في مصر الجديدة بشرب قهوتي، وببص للشمس اللي بدأت تطلع بعد أيام المطر الكئيبة. صحتي بدأت ترجعلي، ووزني بدأ يتعوض، وشكلي بقى فيه روح من جديد بعد ما فارقت البيئة السامة اللي كنت عايشة فيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى