روايات وقصص

جوزي كان دكتور

جوزي كان دكتور في نفس المستشفى اللي قضيت فيه شهر كامل بين الحياة والموت. ومع كده، ماجاش يشوفني ولا مرة. ولما خرجت أخيرًا، بص لي بمنتهى البرود وقال: كنت مشغول.

ماجادلتوش. فكيت دبلة جوازي، وحطيتها فوق تقرير خروجي من المستشفى. وبعدين اتصلت بالمحامية وطلبت منها ترفع قضية طلاق. بس جوزي ماكانش يعرف لسه أنا اكتشفت إيه في ملف المستشفى.

قضيت ٣٠ يوم في المستشفى وأنا بين الحياة والموت. وجوزي، اللي كان دكتور جراحة في نفس المبنى، ماطلعش يشوفني ولا مرة.

في يوم خروجي، طبقت هدوم المستشفى بهدوء وحطيتها على طرف السرير. كنت خسيت حوالي ٦ كيلو بعد ما انفجرت الزائدة الدودية عندي واتحول الموضوع لالتهاب شديد في البطن، ودخلت في حالة خطيرة جدًا.

وقفت قدام شباك الدور ال١٧ في مستشفى كبير في القاهرة، وبصيت للمطر وهو بينزل على الشوارع بلون رمادي كئيب.

الممرضة كانت بتراجع معايا تعليمات الخروج، وبعدين سألتني بصوت هادي: متأكدة إن مفيش حد جاي ياخدك ويروح بيكي البيت يا سارة؟ وبصت في الملف. جوزك الدكتور محمود شغال هنا، صح؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة بالعافية وهزيت راسي. عنده عملية.

لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير من كده.

محمود كان واحد من أشهر جراحي القلب في المستشفى. وكان بيشتغل على بعد ٥ أدوار بس من أوضتي.

أول ٢٠ يوم من فترة إقامتي في المستشفى، كان فعلًا مشارك في مشروع طبي كبير لزراعة الأعضاء، والمشروع كان فيه بروتوكولات عزل صارمة جدًا.

وعشان كده قضيت ال٢٠ يوم دول وأنا بدافع عنه قدام كل اللي حواليا. قدام أمي. قدام صحابي. حتى قدام الممرضات.

كنت دايمًا بقول نفس الجملة: هو مينفعش يخرج من الوحدة، هو بينقذ أرواح.

كنت مقتنعة إني بعمل الصح. لحد ما دخلت آخر ١٠ أيام.

في العشر أيام الأخيرة، بروتوكول العزل انتهى. وبدأت أشوف صور محمود على شبكة المستشفى الداخلية. كان واقف بيضحك في حفل عشاء مع أطباء أجانب جايين يشاركوا في المشروع. وبعدها شوفته في لقاء على قناة محلية. وبعدين شوفته واقف على مسرح بياخد جائزة للتميز الطبي.

بس خلال العشر أيام دول كلهم، تليفون أوضتي ما رنش ولا مرة. ولا مرة.

أنا شغلي كمدققة جودة في المجال الطبي علمني قاعدة أساسية: قبل ما تحكمي على أي حاجة راجعي البيانات.

فتحت التابلت بتاعي، ودخلت على النظام الإداري للمستشفى. ودورت على اللوائح الرسمية الخاصة بمشروع زراعة الأعضاء. ماخدتش أكتر من ٥ دقايق.

لقيت بند واضح جدًا: يسمح للعاملين الخاضعين للعزل بطلب استثناء مؤقت لمدة تصل إلى ساعتين في حالات الطوارئ الطبية لأحد أفراد الأسرة، أو الأمراض المهددة للحياة، أو العمليات الجراحية، بعد الخضوع لإجراءات التعقيم المعتادة.

قريت البند مرتين. وبعدين دخلت على سجلات النظام، ودورت على أي طلب استثناء مقدم باسم الدكتور محمود. النتيجة؟ صفر. مفيش طلب واحد. ولا حتى طلب واحد.

يعني محمود كان من حقه يشوفني. وكان يقدر يشوفني. وكان عنده تصريح يسمح له بكده. هو بس اختار ما يجيش.

والأسوأ؟ بعد انتهاء فترة العزل تمامًا، كان قدامه ١٠ أيام كاملة. ١٠ أيام كان يقدر فيهم يركب الأسانسير، يضغط على زر الدور ال١٧، ويمشي لحد أوضتي. لكنه اختار برضه مايعملش كده.

حفظت نسخة PDF من البروتوكول، وسجلات شيفتاته، وسجلات الفعاليات اللي حضرها خلال الفترة دي على حساب تخزين إلكتروني. وبعدين طلبت عربية. لكن ما رجعتش بيتنا في الزمالك. روحت على طول لمكتب صاحبتي سارة، اللي كانت محامية متخصصة في قضايا الأسرة.

أول ما شافتني، قامت بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط في الأرض. سارة! يا نهار أبيض إيه اللي حصل لك؟

بصيت لها بهدوء وقلت: عايزاكي تجهزي ورق الطلاق.

افتكرت إني بتكلم من وجع المرض. فحطيت التابلت قدامها. وريتها الجدول الزمني. وسجلات المستشفى. والبروتوكولات الرسمية.

وساعتها فهمت إني مش جاية أنتقم. أنا ماكنتش عايزة فلوسه. ولا عايزة أحرمه من أي حاجة. إحنا أصلًا ماعندناش أولاد. طلبت بس نقسم قيمة البيت اللي اشتريناه أثناء الجواز بالنص. وكل واحد يحتفظ بحساباته البنكية، وعربيته، وحاجاته الشخصية.

في نفس اليوم رجعت البيت. لميت هدومي. شهاداتي. كتبي. وحطيتهم في شنطتين. وقبل ما أمشي، خلعت دبلة جوازي وحطيتها في منتصف ترابيزة السفرة فوق تقرير خروجي من المستشفى. وبعدين خرجت.

استأجرت شقة مفروشة لفترة مؤقتة في مصر الجديدة، وغيرت رقم موبايلي، وخليت كل التواصل مع محمود يتم عن طريق المحامية.

بعد أسبوعين، كان محمود في المستشفى بيحضر حفل كبير في قاعة المؤتمرات بالدور ال١٢، احتفالًا بانتهاء المشروع اللي كان شغال عليه. كان الحفل مليان أطباء وزمايل وممرضين. وكان هو في وسطهم، بيضحك ومبسوط.

لحد ما دخل موظف تبليغ للمحكمة القاعة. كان ماسك ظرف بني في إيده. وقف قدام محمود وقال: الدكتور محمود؟

محمود بص له. أيوه.

مد له الظرف. ده إعلان قضائي رسمي.

فتح محمود الظرف قدام كل اللي حواليه. وفي أقل من ٣ ثواني، الابتسامة اختفت من على وشه. الورقة كانت دعوى طلاق.

رفع عينه بصدمة. ولأول مرة، بدأ يسأل نفسه: إيه اللي حصل؟

لكن محمود ماكانش يعرف إن خسارته لمراته كانت مجرد بداية. لأن الملف اللي أنا لقيته في المستشفى قبل ما أخرج كان فيه معلومة أخطر بكتير من مجرد إثبات إنه اختار مايزورش مراته. معلومة لو ظهرت ممكن تدمّر حياته كلها.

الظرف البني اللي مسكه محمود في قاعة المؤتمرات كان بداية الانهيار. كل زمايله الأطباء وإدارة المستشفى كانوا واقفين يتفرجوا. الراجل اللي لسه نازل من على المسرح بياخد درع التميز الطبي، وشه اتقلب أصفر وزي الجثة في ثواني.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى