
وفي يوم الأربعاء… كان جوزي لسه فاكر إني مجرد زوجة غير مرئية، وقّعت أول ورقة في المشروع اللي كان هيغير حياتي كلها.
وصلت يوم الأربعاء قبل المعاد بعشرين دقيقة.
وقفت قدام المبنى الزجاجي الكبير وأنا ماسكة شنطتي بإيد، وملف أعمالي بالإيد التانية.
المكان كان في وسط البلد، جوه عمارة قديمة بواجهة حجرية وشبابيك طويلة، لكن المكتب من جوه كان مختلف تمامًا.
حوائط بيضا.
ترابيزات طويلة مليانة رسومات ومجسّمات.
وشباب وبنات بيتحركوا بسرعة، كل واحد فيهم ماسك مخطط أو لابتوب.
للحظة حسيت إني دخيلة.
كأني ست قضت سنين طويلة محبوسة جوه بيتها، وفجأة دخلت عالمًا كان المفروض يبقى عالمها من البداية.
قربت مني موظفة الاستقبال وسألت:
— حضرتك مدام مريم؟
هزيت راسي.
— أيوه.
ابتسمت وقالت:
— بشمهندس ياسين مستني حضرتك في قاعة الاجتماعات.
ياسين كان المدرّب اللي رشحني للمشروع.
دخلت لقيته قاعد مع أربعة أشخاص، وقدامهم مخططات وصور لشارع قديم، مبانيه متهالكة وواجهاته باهتة.
وقف ورحّب بيا، وبعدها قال وهو بيشاور للناس اللي حواليه:
— أحب أعرفكم بمريم منصور… صاحبة أقوى مشروع اتقدّم في الدورة لحد دلوقتي.
اتوترت وقلت بسرعة:
— حضرتك بتبالغ.
بصلي بثبات وقال:
— أنا عمري ما ببالغ في الشغل.
قعدت قدامهم، وبدأ الاجتماع.
المشروع كان أكبر بكتير من أي حاجة تخيلتها.
شارع ثقافي قديم فيه مسرح ومكتبة ومجموعة محلات تراثية، والمطلوب إننا نرجّع له روحه من غير ما نمسح تاريخه.
كنت ساكتة في الأول.
بسمع كلام المهندسين، وأسجل ملاحظاتي، وأحاول أخفي خوفي.
لكن بعد نص ساعة، واحد من الفريق عرض فكرة لهدم الجدار الداخلي للمكتبة علشان يوسّع المدخل.
بصيت للصورة كويس، وبعدين قلت بتردد:
— ممكن أقول رأيي؟
كل العيون اتوجهت ناحيتي.
قلت:
— لو هدمنا الجدار ده، هنفقد شكل المبنى الأصلي. ممكن نفتح ممر جانبي ونستخدم المرايات والإضاءة علشان المكان يبان أوسع، وفي نفس الوقت نحافظ على التفاصيل القديمة.
المهندس اللي كان بيتكلم قطّب حواجبه.
— المرايات مش هتحل مشكلة الحركة.
فتحت الملف بسرعة وطلعت ورقة بيضا، ورسمت توزيعًا مبدئيًا للمكان.
— لو نقلنا مكتب الاستقبال هنا، وحركنا وحدات العرض للمنتصف بزاوية بسيطة، هنفتح خط حركة مباشر من الباب لحد قاعة القراءة… ومن غير هدم.
سكتوا كلهم.
ياسين أخد الورقة من قدامي وتأملها.
وبعدها ابتسم وقال:
— ده بالضبط السبب اللي خلاني أجيبها.
في اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة.
مش غرور.
ولا انتصار.
كان إحساسًا أبسط من كده بكتير…
إني لسه موجودة.
وإن عقلي اللي جوزي كان بيعتبره شيئًا مالوش لازمة، يقدر يغيّر مشروعًا كاملًا بخطوط مرسومة بقلم رصاص.
بعد الاجتماع، وقّعت عقدًا مبدئيًا لمدة ستة شهور.
قرأت الرقم المكتوب قصاد الأجر مرتين.
خمسة وأربعون ألفًا في أول مرحلة، غير المكافآت لو المشروع اتنفّذ في معاده.
فضلت باصة للورقة، ومش مصدقة.
ياسين سألني:
— فيه مشكلة في العقد؟
— لأ… بس أنا ماكنتش متوقعة الرقم.
قال بهدوء:
— الأجر على قدر المسؤولية، مش على قدر ثقتك الحالية في نفسك. والثقة هتيجي بعدين.
وقّعت.
ولما خرجت من المبنى، وقفت على الرصيف وسط الزحمة.
العربيات بتجري.
والناس بتعدّي جنبي.
وأنا كنت حاسة إن العالم بيتحرك لأول مرة من سنين.
مسكت موبايلي، وكنت هتصل بجوزي.
كنت عايزة أقوله إني اتقبلت.
إني وقعت عقدًا كبيرًا.
إني لأول مرة من وقت طويل حاسة إني فخورة بنفسي.
لكن قبل ما أضغط على اسمه، افتكرت جملته:
«البيت ده مش محتاج المبلغ الصغير اللي إنتِ بتجيبيه.»
قفلت الموبايل وحطيته في شنطتي.
وقلت لنفسي:
— لما أرجع هقوله.
وصلت البيت الساعة ستة ونص.
فتحت الباب، فلقيت بنتي ليلى قاعدة على الأرض بترسم، وجوزي قاعد على الكنبة بيتفرج على التلفزيون.
أول ما شافتني، جريت عليّا:
— ماما! بابا جابلي بيتزا!
حضنتها وبوستها.
هو ما بصليش غير بعد دقيقة.
سألني:
— كنتِ فين؟
— في اجتماع شغل.
— لحد دلوقتي؟
— الاجتماع كان طويلًا.
رجع عينه للتلفزيون وقال:
— كنتِ المفروض تبلغيني. أنا كنت مستني الغدا.
بصيت لعلبة البيتزا المفتوحة قدامه.
— ما إنت أكلت.




