روايات وقصص

وصيه حماتي

سيبته واقف مذهول ومبرق، ودخلت وقفت الباب في وشه بالترباس تاني. سمعت خطواته وهي بتراجع لورا ببطء.. خطوات واحد أدرك إن الخدامة المطيعة خلاص ماتت، وإن اللي جوة دي ست عرفت قيمتها ومش هترجع تصغر نفسها تاني أبداً.

، وحنان ماسكة في معتز وتعاتبه إزاي يسمحلي أهينها قدام الكل، ومعتز صوته رايح وجاي بين إرضاء أمه والرد على حنان اللي فتحت فيه النار هي كمان.

أنا بقى؟ لأول مرة من أربع سنين أنام. ما قمتش الساعة خمسة الفجر أجري على المطبخ، ولا شيلت هم الطبيخ والعزائم. صحيت الضهر براحتي خالص، عملت لنفسي فنجان قهوة مضبوط، وطلعت قعدت في البلكونة بشربها وأنا لابسة أشياط ما عندي وشايفة الشمس كأنها بتشرق لأول مرة في حياتي.

على الساعة واحدة، سمعت خبط على الباب. المرة دي الخبط ما كانش فيه لا رزغ ولا عافية.. كان خبط متتردد ونبرة هادية.

فتحت الباب، لقيت جيهان أخت معتز واقفة، وشها جايب ألوان وواضحة عليها الصدمة والخجل.

بصيت لها ببرود وقلت: «خير يا جيهان؟»

جيهان بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: «أشجان.. أمي بتقولك انزلي عشان عمي عايز يتكلم معاكي.. وعايزين نعمل غدا النهاردة عشان في ناس جايين لعمي.»

ابتسمت ابتسامة هادية وقلت لها: «يا حبيبتي يا جيهان.. ألف مبروك على الخطوبة المقادمة، بس أنتِ نسيتي كلام ماما ليكي امبارح ولا إيه؟ مش ماما قالت لك ماتبقيش زي أشجان المكسورة اللي الكل بيدوس عليها، وقالت لك خليكي زي حنان؟ انزلي يا حبيبتي حطي رجل على رجل مع حنان واطلبوا القهوة، وادخلي المطبخ اتعلمي طبخة عشان لما تتجوزي تعجبيهم. أنا ضهري وجاعني وراحة أخد شاور وأريح.»

جيهان فتحت بؤها ومش عارفة ترد: «بس يا أشجان.. ماما مش قادرة تقف وحنان قالت مش هتعمل حاجة!»

رديت وأنا بقفل الباب ببطء: «يبقى يطلبوا دليفري يا جيهان.. أو خلو معتز يدخل يطبخ لكم، مش هو اللي بيحب يعمل أصول؟ ياللا يا حبيبتي عشان ما تعطليش نفسك.»

قفلت الباب في وشها، وسمعت خطواتها وهي نازلة تجري. بعد ساعة، نزل معتز من الشغل بدري على غير العادة.. دخل الشقة بالمفتاح، كان شكله مهدود ووشه مسحوب، باين عليه إنه أكل علقة كلام تحت من أمه وعمه لما لقوا المطبخ يفتح النفس على الخراب وما فيش لقمة تتأكل.

دخل عليا الصالة لقاني قاعدة بقرأ في كتاب وبشرب القهوة. وقف قدامي، وبص لي بنظرة فيها حسرة وكسرة لأول مرة أشوفها في عينيه، وقال بصوت مخنوق:

«أنتِ عايزة توصلين لإيه يا أشجان؟ أنتِ كده بتهدي البيت!»

قمت وقفت، حطيت الكتاب على الترابيزة وبصيت له بكل ثبات:

«أنا ما بهدش البيت يا معتز.. أنا ببنيه من أول وجديد، بس المرة دي ببنيه على عدل ومش على كرامتي وصحتي. البيت اللي يتبنى على إن واحدة تتفرم عشان الباقي ينتعش.. ده مش بيت، دي تسخرة. أنت قدامك خيارين لا ثالث لهما:»

قربت منه وكملت بصوت حاسم:

«يا إما تعيش معايا راجل بيحترمني وبيعملي ألف حساب، ومصروفي ينزل في إيدي، وأهلك يتعاملوا معايا بالواجب والحدود.. يا إما تروح تجوز حنان اللي هتموت عليها، وتخليها هي وأمك يوروك الهوان اللي بجد، وورقتي توصلني معززة مكرمة.»

معتز مسك راسه بإيديه الاثنين، وقعد على الكنبة وكأنه اتكتم على نفسه، وقال بنبرة ضائعة:

«حنان إيه وزفت إيه اللي أتجوزها!.. أنا كنت بساير أمي عشان ما تزعلش، أنا عمري ما فكرت أستغنى عنك يا أشجان.»

رفعت حواجبي وقلت له ببرود:

«جميل.. وطالما ما تفكرش تستغنى عني، يبقى ترجعلي حقي. تنزل تحت دلوقتي قدام أمك وحنان وحكم العيلة، وتقولهم إن أشجان خط أحمر، وإن اللي هيطلب منها كلمة مش عاجباها هيشوف منك وش مش حاببه. وزي ما حنان ليها شقة ومحدش بيكلمها، أنا ليا شقتي وحياتي.. ها، قولك إيه يا ابن الأصول؟»

معتز بص لي بذهول، حس إن الضعيفة المطيعة خلاص راحت، وإن القديمة مش هترجع تاني أبداً.. وقف وهو بيبلع ريقه، وهز راسه بقلة حيلة.

وخرج من الشقة وهو محبط. نزلت وراه ببعد خطوات بسيطة، وقفت على أول السلم من فوق عشان أسمع وأشوف بنفسي. معتز دخل الصالة تحت، وكانت العيلة كلها ملمومة؛ حماتي قاعدة وعينيها حمرة من الغيظ، وعمي قاعد حاطط إيده على عصايته ووشه مقلوب، وحنان قاعدة جنب جيهان حاطة رجل على رجل ومستنية تشوف المأساة اللي معتز هيعملها معايا.

حياته:

«يا أمي.. الكلام اللي هقوله ده مش هعيده تاني. أشجان مراتي، واللي يمسها بكلمة أو يقلل منها كأنه مسني أنا بالضبط. من النهار ده، أشجان مش شغالة عند حد، ولا مطالبة تخدم حد هنا. اللي عايز حاجة يعملها لنفسه أو يجيب اللي يخدمه.»

حماتي وقفت مفزوعة وصرخت: «أنت بتبص لأمك كده يا معتز؟! عشان حتة خدامة تقف قدامنا وتكسر كلامنا؟!»

معتز رد عليها ونبرة صوته عليا بثبات:

«الخدامة دي هي اللي شالت البيت ده على كتفها أربع سنين وأنا ساكت وفاكر ده أصول، لحد ما حسستوها إن ملهاش قيمة! أشجان ست البيت فوق، ومحدش ينادي عليها تعمل كيكة ولا قراقيش ولا تمسح سجاد. وحنان هانم زي ما هي قاعدة مريحة شقتها، أشجان من حقها ترتاح في شقتها برضه.»

حنان وشهت وشاطت وقالت بغل: «أنت بتلقح عليا يا معتز؟ ولا هتقارن نفسك بيا وباللي بعمله؟!»

معتز بص لحنان بنظرة احتقار أول مرة تطلع منه، وقال لها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى