
لم أكن أستطيع إعادة المال إلى زينب لأنني لم أجدها إلا بعد سنوات، وعندما وجدتها رفضت أن تأخذ شيئًا قبل أن تجد ابنتها.
ثم ماتت.
فأصبح المال حقًا لسعاد.”
غطيت فمي بيدي.
فهمت الآن.
عبد الرحمن لم يتركني ثروة.
كان يعيد إليّ ثروة أبي.
قال في التسجيل:
“لهذا السبب، قبل زواجي من سعاد، فصلت حساباتها القانونية تمامًا عن ممتلكاتي.
لأنني أعرف أنكم ستقولون إنها تزوجتني من أجل المال.
لكن الحقيقة أن الجزء الذي سجلته باسمها لم تحصل عليه بصفتها زوجتي.
حصلت عليه بصفتها ابنة محمود.”
نظر حسام إليّ.
وقال بهدوء:
— لهذا يصعب جدًا إبطال حقك.
استمر التسجيل.
“أما أملاكي الشخصية، فقد وزعت جزءًا منها على المؤسسة، وجزءًا على أقاربي، وخصصت جزءًا لمريم.”
ثم ابتسم عبد الرحمن في الفيديو.
وكانت تلك الابتسامة كافية لتعيدني خمس سنوات إلى الوراء.
“أما سعاد…
فأنا أعرفها.
وأعرف أنها بمجرد أن تسمع كلمة ميراث ستقول إنها لا تريد شيئًا.
لذلك أقول لك الآن:
لا ترفضي حقك.
هذا ليس مالي.
هذا مال أبيك.”
بدأت أبكي.
قال:
“كنت أتمنى أن أراك وأنت تعرفين الحقيقة.
لكنني كنت جبانًا مرة أخرى.
خفت أن أخسرك.”
خفض رأسه.
ثم قال:
“وأعرف أن بعض الناس قد يرون أنني كنت أنانيًا.
ربما كنت كذلك.
كان يجب أن أخبرك قبل الزواج.
لكنني أحببتك.
ولأول مرة في حياتي، خفت أن أفقد إنسانًا أكثر من خوفي من ذنبي.”
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
لم أعرف هل أغضب منه أم أشتاق إليه.
كنت أشعر بالأمرين معًا.
أحببت عبد الرحمن.
لكنني كنت غاضبة لأنه أخذ مني حقي في معرفة ماضيّ.
قلت لحسام:
— كان لازم يقول لي.
أجاب:
— نعم.
نظرت إليه.
فقال:
— لن أدافع عنه في هذا الجزء. كان يعرف أنه أخطأ.
ثم أشار إلى العلبة المخملية.
— ولهذا ترك لك شيئًا أخيرًا.
فتحتها.
لم أجد مجوهرات.
وجدت مفتاحًا.
وتحته ورقة مكتوب عليها عنوان في حي قديم بالقاهرة.
قلت:
— ما هذا؟
أجاب حسام:
— لا أعرف.
ذهبت في اليوم التالي.
أصرت مريم على مرافقتي.
وصلنا إلى منزل قديم من طابقين.
كان مغلقًا منذ سنوات.
فتحت الباب بالمفتاح.
دخلت.
رائحة الغبار ملأت المكان.
لكن الغريب أن الأثاث كان ما يزال موجودًا.
على أحد الجدران كانت هناك صور.
اقتربت.
ورأيتها.
أمي.
زينب.
وفي صورة أخرى كان يقف بجانبها شاب يحمل طفلة.
أبي محمود.
وأنا بين ذراعيه.
جلست على الأرض.
لم أستطع الوقوف.
كانت هذه أول صورة أراها لأبي في حياتي.
مريم جلست بجانبي واحتضنتني.
قلت وأنا أبكي:
— كان عندي بيت يا مريم.
قالت:
— ولسه عندك يا ماما.
وجدنا في غرفة النوم صندوقًا خشبيًا.
فتحته.
كان مليئًا بأشياء طفلة.
فستان صغير.
سوار فضي.
خصلة شعر ملفوفة داخل ورقة.
وعشرات الرسائل.
كلها من أمي إليّ.
كانت تكتبها أثناء بحثها عني.
“سعاد…
اليوم عيد ميلادك السادس، ولا أعرف أين أنت.
اشتريت لك فستانًا رغم أنني لا أعرف مقاسك.
سأحتفظ به حتى أجدك.”
رسالة أخرى.
“سعاد…
قالوا لي اليوم إن سجلات الدار القديمة ضاعت.
لكنني لن أتوقف.”
ثم:
“ابنتي…
إذا كبرتِ قبل أن أجدك، أرجوك لا تظني أنني تركتك.
كنت مريضة.
وحين عدت لأخذك كنت قد اختفيت.
بحثت عنك في كل مكان.”
لم أستطع إكمال القراءة.
احتضنت الرسائل.
ثلاثون عامًا من الألم اختصرت في صندوق.
وعند قاعه وجدت رسالة مختلفة.
كانت موجهة إلى عبد الرحمن.
“عبد الرحمن…
إذا وجدتها بعد موتي، لا تحاول تعويضها بالمال.
المال لا يعوض عمرًا ضاع.
قل لها فقط إن أمها أحبتها حتى آخر نفس.”
أغلقت عيني.
الآن فهمت لماذا لم يعطني عبد الرحمن المال مباشرة عندما وجدني.
كان يحاول تنفيذ وصية أمي.
لكنه أثناء ذلك وقع في حبي.
ووقعت أنا أيضًا في حبه.
بعد أسبوع بدأت قضية الوصية.
اجتمع بعض أقارب عبد الرحمن في مكتب المحامي.
كان بينهم رجل يدعى شريف، ابن أخته.
قال أمامي بحدة:
— عمي كان عمره سبعة وسبعين سنة وقت وفاته، والست دي دخلت حياته وهي خدامة وخرجت مالكة ملايين!
كدت أرد.
لكن حسام أوقفني.
فتح الملفات.
وقال:
— مدام سعاد لم تحصل على هذه الأصول بصفتها زوجة المرحوم.
ضحك شريف.
— أمال بصفتها إيه؟
أجابه:
— وريثة الشريك الأصلي في المشروع.
وضع أمامه عقودًا تعود لعشرات السنوات.
وتقارير محاسبية.
وتحويلات.
وتقييمات.
ثم عرض التسجيل.
تغيرت وجوههم.
الأموال التي اعتقدوا أنني أخذتها من عبد الرحمن لم تكن جزءًا من ميراث زوجته أصلًا.
كانت حقوقًا مالية تعود لأبي.
أما أموال عبد الرحمن الشخصية فقد وزعها قانونيًا قبل سنوات.
قال شريف:
— وإحنا مطلوب مننا نصدق الحكاية دي؟
رد حسام:




