
ارتفعت حرارتها بشدة أثناء وجودها في الفيلا.
ارتبكت، وحاولت طلب سيارة أجرة، لكن عبد الرحمن أخذ مفاتيح سيارته وقال:
— سنذهب بها إلى الطبيب.
ظل معنا حتى انتهى الكشف.
ثم عاد معنا إلى المنزل.
وفي منتصف الليل ارتفعت حرارتها مرة أخرى.
كنت جالسة بجانب سريرها أبكي من الخوف عندما دخل عبد الرحمن يحمل منشفة باردة.
قال:
— الطبيب قال إن الحرارة قد ترتفع مرة أخرى. لا تخافي.
جلس معنا.
ساعة.
ثم ساعتين.
حتى نامت مريم.
وعندما بدأت حرارتها تنخفض، وجدته نائمًا على الكرسي بجانب سريرها.
رجل في الثانية والسبعين، لديه ملايين يستطيع بها أن يوظف عشرات الأشخاص لخدمته، لكنه اختار أن يبقى مستيقظًا بجانب طفلة ليست ابنته.
وقتها بدأت أخاف من حقيقة مختلفة.
كنت أحبه.
لم يكن حب فتاة مبهورة بالمال.
بل حب امرأة قضت عمرها تبحث عن الأمان، ثم وجدته في إنسان لم تتوقع يومًا أن يكون هو.
بعد شهرين، وافقت على الزواج.
أقام عبد الرحمن حفلًا صغيرًا.
وحين بدأت الأقاويل تصلني، كنت أبكي أحيانًا.
فقال لي:
— من يعيش حياته من أجل كلام الناس، سيموت قبل أن يعيش يومًا واحدًا لنفسه.
عشنا خمس سنوات.
وكانت أجمل خمس سنوات عرفتها.
لم يجعلني أشعر يومًا أنني مدينة له.
شجعني على إكمال دراستي التي توقفت عنها.
واعتنى بتعليم مريم.
لكنه لم يسمح لها بأن تناديه “جدو” في البداية.
قال ضاحكًا:
— خليها تقول عبد الرحمن. أنا ما زلت شابًا.
وبعد شهر كانت تناديه “جدو عبد الرحمن”، وكان يتظاهر بالاعتراض بينما أراه يبتسم.
لكن شيئًا واحدًا كان يثير فضولي.
كان عبد الرحمن يحتفظ بدرج مغلق داخل مكتبه.
لم أسأله عنه.
وفي بعض الليالي كنت أراه يخرج منه صورة قديمة، ينظر إليها طويلًا، ثم يعيدها.
مرة دخلت عليه فجأة، فأغلق الدرج بسرعة.
قلت:
— آسفة.
قال:
— لا، تعالي.
لكنني لاحظت الحزن في وجهه.
سألته:
— الصورة دي لمين؟
سكت قليلًا.
ثم قال:
— لإنسانة ظلمتها الحياة.
لم يشرح أكثر.
وأنا لم أضغط عليه.
مرت السنوات.
ثم بدأ قلبه يتعب.
دخل المستشفى أكثر من مرة.
وفي آخر شهر من حياته، تغير كثيرًا.
صار ينظر إليّ طويلًا دون كلام.
وفي ليلة أمسك يدي وقال:
— سعاد، لو اكتشفتِ يومًا أنني أخفيت عنك شيئًا، لا تحكمي عليّ قبل أن تعرفي لماذا فعلت ذلك.
ضحكت وقتها.
— بتتكلم كأنك مخبي كنز.
ابتسم.
— يمكن أغلى من الكنز.
بعد أسبوعين مات.
رحل في نومه، وكنت بجانبه.
شعرت أنني فقدت زوجي وأبي وعائلتي كلها في شخص واحد.
وبعد الجنازة بأيام جاء المحامي حسام.
جلس أمامي في المكتب نفسه الذي اعترف لي عبد الرحمن فيه بحبه قبل خمس سنوات.
فتح حقيبته وأخرج ملفًا.
قال:
— هناك وصية.
قلت:
— لا أريد أن أعرف شيئًا عن المال الآن.
أجاب:
— الأمر ليس متعلقًا بالمال فقط.
رفع عينيه إليّ.
— الحاج عبد الرحمن كان يعرف أنك ستحبينه.
حدقت فيه.
— ماذا تقصد؟
قال:
— وكان يعرف أنك لو عرفت الحقيقة منذ البداية، ربما كنت سترفضين الزواج.
شعرت بانقباض في صدري.
— أي حقيقة؟
أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.
وضعه أمامي.
كان مكتوبًا عليه بخط عبد الرحمن:
“إلى سعاد… بعد وفاتي فقط.”
فتحت الظرف.
وجدت عدة أوراق وصورة قديمة.
لكنني بدأت بالورقة الأولى.
قرأت أول سطر.
وتوقف نفسي.
كان مكتوبًا:
“اسم الطفلة: سعاد محمود عبد الرحيم.”
ذلك كان اسمي.
لكن الاسم التالي هو الذي جعل يدي ترتعش.
“اسم الأم: زينب محمود عبد الرحيم.”
رفعت رأسي.
— من زينب؟
لم يجب المحامي.
قلبت الورقة.
ثم وجدت صورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
نظرت إلى وجه المرأة.
كانت تشبهني بصورة مخيفة.
وخلف الصورة كانت هناك جملة بخط عبد الرحمن:
“سامحيني يا زينب… لقد بحثت عنها ثلاثين عامًا.”
شعرت بأن الغرفة تدور.
قلت:
— عبد الرحمن كان يعرف أمي؟
تنهد حسام.
— أكثر مما تتخيلين.
ثم أخرج من الملف ورقة أخرى.
وقال:
— والأصعب أنك لم تدخلي بيت عبد الرحمن بالصدفة يا سعاد.
نظرت إليه في ذهول.
فأكمل:
— هو الذي بحث عنك… وهو الذي رتّب وصولك للعمل هنا من البداية.
سقطت الصورة من يدي.
وسألته:
— لماذا؟
أجابني بصوت منخفض:
— لأن أمك قبل أن تختفي من حياته تركت عنده أمانة… والأمانة كانت أنتِ.
جلست أمام شاشة الحاسوب وأنا أشعر أنني لم أعد أعرف الرجل الذي عشت معه خمس سنوات.
كان عبد الرحمن ينظر إلى الكاميرا بثبات.
وقال:
“حتى تفهمي يا سعاد، يجب أن تعرفي أن والدك محمود لم يمت فقيرًا.”
حبست أنفاسي.
“قبل وفاته بعامين، دخل محمود معي في مشروع عقاري صغير.
وضع فيه كل ما يملك.
نجح المشروع.
ثم اشترينا أرضًا ثانية.
وعندما مات، كان من حق زوجته وابنته نصيبه كاملًا.
لكن أبي استغل الفوضى التي حدثت بعد موته، وسجل بعض الأصول باسم الشركة العائلية.”
شعرت بالغضب يصعد داخلي.
تابع عبد الرحمن:
“كنت أعرف.
ولم أفعل شيئًا.
وهذا أكبر ذنب حملته في حياتي.”
توقفت الصورة للحظة ثم استمر التسجيل.
“كبرت الشركة.
والأرض الصغيرة التي كان محمود يملك جزءًا منها أصبحت بعد سنوات مشروعًا يساوي عشرات الملايين.
ثم تضاعفت قيمته.
كل جنيه نتج عن حصة محمود حسبته طوال السنوات الماضية، واحتفظت بسجلاته.




