
قاطعته بابتسامة ساحرة وباردة، وحطيت إيدي على بؤه بالراحة: «أنّوش… مافيش داعي للتوضيح. أنا فكرت مع نفسي ولقيت إن الغيرة عمتني. سارة دي زي أختك، والورقة القديمة دي كانت طيش شباب. أنا سامحتك… وأنا اللي عزماهم كلهم الجمعة الجاية هنا في أوتيل كبير على النيل، عشان أعتذر لسارة قدام العيلة كلها ونفتح صفحة جديدة.»
أحمد اتنفس الصعداء، وكأن جبل انشال من على صدره. بصلي بذهول وقال: «بتتكلمي جد يا ندى؟ إنتي أعظم ست في الدنيا!» ما كانش عارف إن الابتسامة دي هي ابتسامة الذابح.
جت الجمعة. القاعة في الأوتيل كانت فخمة، والمشهد كامل: حنين أخته داخلة بفستانها ومتباهية، وسارة نازلة بابتسامة النصر، فاكرة إنها كسرتني وخليتني أعتذر لها علناً. وحماتي قاعدة في صدر القاعة بترقب. أنا كنت لابسة فستان أسود كلاسيك، زي الهوانم، طالعة ألقي كلمة الاعتذار.
مسكت المايك، الصوت تردد في القاعة، والكل سكت: «مساء الخير على أهلي وعيلتي. النهاردة أنا جمعتكم عشان أقدم اعتذار خاص جداً لسارة… وبنت عم جوزي.» سارة عدلت ظهرها وابتسمت بتشفي، وأحمد بصلها بارتياح.
كملت بنبرة صوت تقطع الشك باليقين: «أنا بعتذرلك يا سارة… بعتذرلك إن الفترة اللي فاتت دي كلها، كنت فاكراكي مجرد بنت عم بتستغل طيبة جوزي… ماكنتش اعرف إنك مراته العرفي بقالك أربع سنين، وإن الفلوس اللي كان بياخدها من شقايا وتصويشي هي اللي بتدفعلك إيجار شقتك والتكييف الجديد!»
الهدوء اللي ساد القاعة كان أصعب من انفجار قنبلة. سارة وشها اصفر، وحنين شهقت بصوت عالي، وأحمد اتسمر في مكانه والمايك في إيدي. ما اديتهمش فرصة يتنفسوا. شاورت للمساعد، وشاشة العرض الكبيرة اللي ورايا اشتغلت! انعرضت عليها صور ضوئية واضحة جداً من ورقة الزواج العرفي، كشوف الحسابات البنكية بالتحويلات الشهرية باسم سارة، وأهم حاجة… عقد الشركة اللي أحمد كان كاتبلي فيه 50% من نصيبه عشان أضمن حقي لما اتجوزنا، والشرط الجزائي اللي بيمنعه من البيع أو التصرف إلا بموافقتي!
قربت من المايك تاني وقُلت بثبات: «وبناءً عليه… أنا بعلن النهاردة تنازلي عن أحمد لسارة رسمياً، وبطلب الطلاق للهجر والضرر. وأحب أبلغك يا أحمد إن المحامي رفع قضية حجر على أسهمك في الشركة بناءً على التبديد اللي ثبت بالشرائح المرفقة على الشاشة.»
بصيت لسارة وقُلت بابتسامة ناعمة: «مكسب طيب يا سارورة… خدي الباقي، أنا أخدت الأهم!» سبت المايك يقع على الأرض، ومشيت بثقة وسط صراخ حماتي وذهول العيلة كلها، وصوت أحمد وهو بيزعق لسارة اللي بدأت تصرخ فيه وتطالبه بحقها قبل ما يضيع.
خرجت للهواء المنعش بره الأوتيل، أخدت نفس عميق… وعرفت إن الانتقام لما بيتاكل بارد، بيكون أطعم بكتير من أي أكل اتطبخ في مطبخهم! ركبت عربيتي، وركنت على جنب بعد ما بعدت عن الأوتيل بمسافة كافية. أتاري شعور الانتصار مش دايماً بيبقى زغاريد وصوت عالي… أوقات بيكون الهدوء المرعب ده، الهدوء اللي بييجي بعد ما تحط نقطة النهاية في كتاب قعدت تقرأه بالعافية لسنين.
موبايلي ما بطلش رن. أحمد… 23 مكالمة مفقودة. حماتي… 8 مكالمات. وحتى حنين، اللي كانت من ساعة بتضحك بتشفي، باعتة رسالة صوتية بتترجاني فيها أرد عشان نلم الموضوع وديّاً بعيد عن الفضايح والمحاكم. ما رديتش على حد. عملت للكل صامت، وشغلت الراديو على مزيكا هادية، وسقت لحد ما وصلت لبيتي الجديد. الشقة الصغيرة اللي كنت مأجراها من شهر من غير ما حد يعرف، وحاطة فيها كل هدومي وحاجاتي المهمة بالتدريج.
عدى أسبوع كامل. في الأسبوع ده، الأستاذ فاروق كان شغال زي المشرط في إيد جراح ما بيرحمش. أول ضربة: الحجز التحفظي على أرصدة أحمد في البنوك بسبب إثبات التبديد من حسابات الشركة. تاني ضربة: إن سارة، بنت العمه الرقيعة اللي كانت عاملة فيها الضحية، أول ما لقيت الفلوس اتجمدت، وأحمد بقى متهدد بالحبس والتشهير، انقلبت عليه رأساً على عقب!
جالي الخبر من خالة أحمد نفسها… سارة راحت عملت محضر لأحمد تتهمه فيه إنه استغل ظرفها النفسي وجوزها عرفي برغبتها وتحت الضغط، وطالبت بحقها الشرعي ومؤخر صداق كبير! القطط لما تجوع، بتاكل بعضها.
في يوم الأحد، الأستاذ فاروق كلمني وقال لي: «ندى… أحمد قاعد عندي في المكتب، وشه للين، وجاي بيترجاكِ عشان تنازلي عن قضايا التبديد والشركة، ومستعد يطلقك رسمي ويرد لك كل حقوقك وزيادة… بس تسحبي المحاضر عشان شغله ما يتدمرش.» قلت له ببرود: «أنا جاية يا أستاذ فاروق.»
لبست أحسن طقم عندي، وحطيت روج أحمر صريح، ودخلت المكتب. أحمد أول ما شافني، قام وقف. كان باين عليه إنه مانامش من أسبوع. الدقن طالعة، العينين مكسورة، والبدلة اللي كان بيتباهى بيها شكلها مجعد ومبهدل. بصلي بنبرة رجاء عمرها ما كانت فيه: «ندى… عشان خاطر الأيام الحلوة اللي كانت بيننا. أنا اتدمرت. سارة رفعت عليا قضية، وأمي تعبت ودخلت المستشفى من الصدمة، والشركة هتقفل في وشي… ارحميني.»
قعدت وحطيت رجل على رجل، وبصيت له بثبات: «الأيام الحلوة أنت اللي قشرتها بإيدك وحطيتها في طبق غيري يا أحمد… فاكر الجمبري؟ فاكر النخاع؟ فاكر لما كنت بتخدمني بقلة ذوق وتخدمها بتدليل؟ أنت اللي اخترت الشبع الفيك، ودلوقتي بتدفع تمن الجوع.»
طلعت من شنطتي ورقة الطلاق المجهزة، وحطيتها قدامه: «أنا هتنازل عن قضية التبديد بشرط واحد… تطلقني حالاً طلاق بائن، وتتنازل لي عن نصيبك في شقة الزوجية وفاءً لمؤخري وحقوقي، وتطلع برة حياتي فوراً. لو رفضت… الورق اللي مع الأستاذ فاروق هيطلع على النائب العام بكرة الصبح بتهمة النصب وتزوير أوراق شركة.»




