
عمر اتصدم، لسانه اتعقد وهو بيبص للأوراق:
«إنتِ… إنتِ جبتي الحاجات دي إمتى وكيف؟!»
«جبتها في العشرين دقيقة اللي كان هو فاكر إني مستنياه يجيلي فيهم.» ردت مريم بنبرة حاسمة: «السنتين اللي عشتهم في البيت ده ما كانوش مجرد صبر على الإهانة والتجاوزات… كان تسجيل لكل تفصيلة. لما كنت بقعد في الصالة وأشوفه بيكلم ناس بلهجة غريبة ويقفل الدولاب بالمفتاح مرتين، عرفت إن البيت ده مبني على كوم تراب. أنا مكنتش ناواية أستغل الحاجات دي إلا لو فكر يمس شعرة مني… وفي الليلة دي، هو فتح على نفسه باب جهنم.»
الأستاذ فاروق مسك الأجندة، وبدأ يقلب صفحاتها بعناية، وعينيه بتتسع من حجم المفاجأة.
«دي مش مجرد وثائق عادية يا مريم… دي أدلة دامغة على قضايا أموال عامة وتزوير. جابر لو حاول يلعب بلعبة التلفيق في النيابة أو يستغل علاقاته، الورق ده كفيل إنه يخليه يتمنى لو الأرض تنشق وتبلعه قبل ما يدخل المحكمة.»
في الوقت ده، تليفون مريم رن. الرقم كان غريب، بس أول ما فتحت وقالت «ألو»، جاءها صوت حماتها نوال. الصوت ما كانش الصوت الهادي اللي بيوزع النصايح عن الأخلاق واللبس، كان صوت امرأة منهارة، بتصرخ وبتتكلم بحشرجة ومزيج من الغل والرعب:
«يا فاجرة! يا اللي ما بتخافيش ربنا! عملتي إيه في بتي؟! داليا بين الحياة والموت في العناية، والشرطة في المستشفى سألونا عن العصير اللي شربته! جابر حكالي على كل حاجة… فاكرة إن الفيديوهات اللي معاكي هتحميكي؟! جابر نزل دلوقتي يعمل فيكي محضر اتهمك فيه رسمي بإنك حطيتي مادة سامة في العصير لإبنتي عشان بتغيري منها ومشاكلك معاها ملهاش آخر!»
مريم ما اتهزتش، ونظراتها كانت أصلب من الفولاذ:
«جابر حكالِك كل حاجة يا نوال هانم؟ حكالِك وهو داخل عليّ الأوضة بالليل والباب مقفول؟ ولا حكالِك عن المادة اللي هو شاريها بإيده عشان يغيبني عن الوعي؟ ولا نسيتي تقولي له إن داليا هي اللي أخدت الكوباية وشربتها من غير ما حد يجبرها؟!»
نوال سكتت لحظة، ونفسها العالي كان مسموع، لكنها كملت بشرور:
«محدش هيصدقك! الكلمة كلمتنا، والبيت بيتنا، وعمر ابني هيقف مع أبوه! لو المحضر بتاعكم لاتسحبش خلال ساعة، البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العامة مش هيكون بس عن الشروع في الإيذاء والتسميم… ده هيكون عن التزوير والكسب غير المشروع اللي هيطير فيها رقاب ناس كبار.»
الخط اتقفل من ناحية نوال فوراً. عمر مسك إيد مريم وهو بيترجاها، ودموعه بدأت تنزل:
«مريم… عشان خاطري، بلاش ندمر كل حاجة بالشكل ده… بابا غلط، غلط غلطة عمره وأنا مش هدافع عنه، بس نوال وداليا مالهمش ذنب! لو القضايا دي اتفتحت، العيلة كلها هتتدمر، وأنا شغلي هيقف، وسمعتنا هتسف التراب!»
مريم سحبت إيدها منه بقوة ووقفت:
«ذنبهم إنهم كانوا عارفين ومغطين عليه! ذنبهم إنهم كانوا بيخلوني أنا المذنبة وأنت بتفرج! أنت دلوقتي قدام خيارين يا عمر… يا تقف مع الحق وتضمن إن أبوه يتجازى على اللي عمله، يا تختار عيلتك وساعتها هتدفع التمن معاهم في نفس المركب اللي بتغرق.»
قبل ما عمر يرد، تليفون الأستاذ فاروق رن. المحامي رد، ومع كل ثانية كانت ملامح وشه بتتغير وتزداد جدية. قفل الخط وبص لمريم وعمر وقال بصوت واطي:
«جابر عبدالسلام وصل قسم الشرطة… ومعه محامي كبير، ورسميًا حرر محضر ضد مريم بتهمة الشروع في إيذاء بنته داليا.»
السكون ساد مكتب المحامي لثواني معدودة، كأن الوقت اتوقف تماماً بعد الجملة اللي قالها الأستاذ فاروق. عمر بص للمحامي وهو مش مصدق، وإيديه بتترعش:
«بابا عملها فعلاً؟! رفع محضر ضد مريم بتهمة الشروع في الإيذاء؟!»
الأستاذ فاروق قام وقف ولقط روب المحاماة بتاعه المتربي على الكرسي، وبص لعمر بنظرة صارمة:
«أبوك اختار يضرب الضربة القاضية الأولى، وهو فاكر إن مريم حيطة مايلة وهتخاف من الشبهة والفضيحة وتهرب. بس هو ما يعرفش إننا مجهزين له المشنقة اللي حفرها بإيده.»
مريم ما أظهرتش أي علامة رعب. بالعكس، ووشها كان فيه ثبات عجيب خلى عمر ينكمش في مكانه. بصت للمحامي وقالت:
«هننزل القسم دلوقتي يا أستاذ فاروق؟»
«فوراً يا مريم.» رد الأستاذ فاروق وهو بيلم الأوراق والأجندة والفلاشة وبيحطهم جوة شنطته الجلدية العريضة. «المحضر اللي عمله جابر ده هيكون هو الحفرة اللي هيقع فيها. الشروع في الإيذاء اتهام مباشر، والشرطة لازم تعاين المكان وتسمع أقوال المجني عليها، والأهم من ده كله… تقرير الطب الشرعي وتحليل العينة اللي في دم داليا.»
عمر جري وراهم وهو بيترجاهم في الطرقة:
«مريم! أرجوكي تفهمي… لو دخلتي القسم وعملتي البلاغ المضاد، الطريق ده ملوش رجعة! بابا لو اتحبس مش هيخرج، ونوال مش هتسكت، والعيلة هتتدمر!»
لفت له مريم وهي على باب الأسانسير، وبصت له بعينين خالية تماماً من أي عاطفة قديمة:
«الطريق ده أبوك هو اللي اختاره من اللحظة اللي حط لي فيها المسحوق في الكوباية وجالي لحد باب أوضتي يا عمر. وأنت اخترته لما فضلت ساكت وبتبرر له لسنتين. لو خايف على نفسك وعلى اسمك… ارجع خطوة لورا، لأن اللي جاي مش هيرحم حد.»
أول ما عيني جابر وقعت على مريم وهي داخلة مع الأستاذ فاروق وعمر ماشي وراهم وشه في الأرض، ابتسامة خبيثة ومستفزة لمحت على شفايفه لثانية واحدة قبل ما يرجع يمثل الحزن. المحامي بتاعه وقف وقرب من ضابط المباحث وقال بصوت عالي ليسمع الكل:




