
كان بيبص لإيديه ولأوضة مريم وهو مش مصدق. المسحوق الأبيض ما كانش سم… كان مادة قوية كان مجهزها عشان يفقد مريم وعيها تمامًا ويأذيها وهي مش حاسة، لكن اللحظة اللي دخل فيها الأوضة في الضلمة وقرب من السرير، اكتشف إن اللي غايبة عن الوعي وراقدة قدامه هي بنته الوحيدة! في اللحظة دي، جابر استوعب الكارثة. الكوباية اللي أصر إن مريم تشربها… شربتها داليا. بدأ يجري في الطرقة زي المجنون وهو بيهمس بصوت مرعوب: «مريم فين؟ مريم راحت فين؟!»
في الوقت ده، مريم خرجت بالراحة من الدولاب، ومسكت الموبايل اللي كان بيسجل كل حاجة: خروجه المرتبك، كلامه، وانهياره. وقبل ما يلتفت ويشوفها، سحبت شنطتها الصغيرة ولاب توبها وشريط تسجيل صغير كانت حطاه تحت السرير بيلقط الصوت جوة الأوضة، ونزلت على السلم بجرأة وخفة لم تعرفهما في حياتها من قبل.
جابر سمع صوت خطواتها، وجري على السلم وهو بيزعق بصوت مبحوح:
«مريم! استني عندك! إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ حطيتي إيه للبنت؟!»
لفت له مريم وهي عند باب الشقة الخارجي، بصت له بنظرة حادة وصارمة خلت جابر يتسمر في مكانه.
«أنا محطيتش حاجة يا عمي… إنت اللي حطيت. وعصير المانجا اللي كنت عايزه ينيمني… هو نفسه اللي نيم داليا.»
جابر وشه اتغير تمامًا، ونبرة الترجي الممزوجة بالتهديد ظهرت في صوته:
«مريم… هاتي الموبايل ده. إنتِ فاهمة لو حد عرف باللي حصل إيه اللي هيحصل؟ سمعة العيلة هتتدمر! عمر هيدمرك! سلمي الموبايل وبلاش فضايح!»
«سمعة العيلة؟» ضحكت مريم ضحكة باردة، وفتحت الباب الخارجي بينما المطر كان لسه بينزل بغزارة بره. «الستارة اتكشفت يا حاج جابر… واللي جاي مش مجرد كلام.»
خرجت مريم في ليلة المطر، وقفت تاكسي بالعافية، وطلبت منه يوديها للبيت القديم بتاع أهلها في وسط البلد. طول السكة، كانت إيدها بتترعش وهي بتتفرج على الفيديوهات والتسجيلات. كان معاها فيديو لجابر وهو بيديها الكوباية وبيفاوضها تشربها، وفيديو تاني وهو طالع الأوضة في الضلمة بخطوات قاصدة، وتسجيل صوتي لصرخته لما اكتشف داليا، واعترفه الضمني بفعله. بس القصة ما خلصتش هنا.
الساعة جابِت 4 الصبح. تليفون مريم بدأ يرن بشدة. كان «عمر». فتحت الخط، وجاءها صوته مشحون بالغضب والانفعال، صوت واحد مضحوك عليه ومحمي بغشاوة:
«مريم! إنتِ فين؟! أبويا كلمني وهو بيبكي! إنتِ حطيتي إيه لداليا في العصير ومشيتي وسيبتي البيت ليه؟! داليا منقولة المستشفى في حالة تعب شديد ومش بتتحرك! إنتِ اتجننتي؟! بقى بتنتقمي من العيلة بالشكل ده؟!»
مريم سمعت كلامه بهدوء شديد، ودمعة واحدة نزلت من عينها على جوزها اللي فضل يصدق أبوه على إنه يسمع مراته. ردت عليه بصوت ثابت زي الحديد:
«عمر… اركب عربيتك وتعال على القاهرة حالًا. وما تروحش المستشفى ولا تروح عند أبوك… تعال على عنوان المحامي بتاعي. ولو ما جيتش خلال ساعتين… الفيديوهات اللي معايا مش هتكون على تليفونك أنت بس، دي هتكون على تليفونات صحافة مصر كلها، وساعتها هتفهم مين اللي كان بيدخل جوة بيتك في أنصاف الليالي.»
قفلت السكة في وشه، وقعدت على الكنبة تستنى الصبح، وهي عارفة إن المواجهة اللي جاية مع العيلة كلها مش هتبقي مجرد دفاع عن النفس… دي هتبقى معركة كسار عظام.
المقاطع الصوتية والفيديوهات كانت شغالة على تكرار، والفيديو الأخير كان بيوضح جابر وهو خارج من الأوضة مذهول وبيصرخ باسم بنته، وبعدها اعترافه الصريح لما قالها «سلمي الموبايل وبلاش فضايح». الأستاذ فاروق بص لمريم بنظرة تقيلة وقال:
«القضية دي مش مجرد شروع في محاولة إيذاء… القضية دي فيها تهديد وابتزاز. ولو المحضر اتعمل دلوقتي بالنصوص دي، جابر عبدالسلام مش هيشوف الشارع تاني. بس السؤال… إنتِ مستعدة للحرب دي يا مريم؟»
قبل ما مريم ترد، الباب اتفتح بعنف. دخل عمر. وشه كان شاحب، عينيه أحمرت من السفر طول الليل من إسكندرية، وقميصه متجعد. كانت باينة عليه علامات الذهول والغضب، وبص لمريم بغل وهو بيتخنق بصوته:
«فين اللي بتقولي عليه؟ داليا غايبة عن الوعي في العناية المركزة، وأبويا ضغطه عالي وفي حالة انهيار، وأمي رجعت من المنوفية بتتجنن في البيت! جاية تبتزيني بمحامي يا مريم؟ بعد كل اللي العيلة دي عملته عشانك؟!»
مريم ما اتكلمتش. شاورت للأستاذ فاروق، فالراجل داس على زرار التشغيل في اللاب توب ودور الشاشة ناحية عمر. الصوت خرج من السماعات واضح ونقي. صوت أبوه وهو بيزق الباب بصرامة:
«لو مش هتشربي العصير ده يا مريم، هفكر إنك بتحتقي العيلة… وهنا قلة الأدب ليها تمن غالي.»
وبعدها اللقطات المسجلة لكاميرا الموبايل… حركة أبوه في الطرقة وهو بيتسحب في الضلمة، ودخوله الأوضة اللي كان فاكر إن مريم نايمة فيها بعد ما المادة تسري في جسمها. وأخيراً، صوت صرخته لما اكتشف داليا، وجريه ورا مريم على السلم وهو بيترجاها وبيهددها في نفس الوقت عشان تداري على الفضيحة.
الأستاذ فاروق بص لمريم باهتمام، وعمر رفع راسه بسرعة وعينيه مليانة تساؤلات وخوف من اللي جاي. مريم فتحت الشنطة الجلد الصغيرة اللي كانت شايلاها، وطلعت منها فلاشة سوداء صغيرة، ومعاها أجندة قديمة جلدها متآكل، ومجموعة من الأوراق المتنية بعناية. وضعت الحاجات دي على المكتب بهدوء، وقالت بصوت ثابت:
«الحاج جابر عبدالسلام ما كانش بس مدير مدرسة سابقة بيتعامل بالأخلاق والقيم المزيّفة… الراجل ده كان يد في شبكة تسريب امتحانات وتسهيل اختلاسات في الجمعية الخاصة التابعة للمدرسة لسنين. الأجندة دي كانت مخفية جوة القاصة الصغار اللي في دولاب الملايات… القاصة اللي هو فاكر إن محدش يعرف رمزها غيره. والأوراق دي فيها تحويلات مالية بأسماء وهمية، وأختام مدرسية رسمية ملهاش وجود.»




