
الأسبوع اللي بعده، شريف اتغير تماماً وكأنه شخص تاني. بقى يطبخ، يغسل هدومه، يشيل الزبالة بنفسه، ويسألني بكل اهتمام عن شغلي في دار النشر بعد ما نزلت استلمت وظيفتي الجديدة رسمياً.
كنت هضعف وأصدق إنه اتغير بجد.
حتى في يوم الصبح عمل القهوة وسألني بحنية عن الأكل اللي نفسي فيه على العشا. كان شيء قليل جداً مقارنة باللي طلبته سنين، بس كان يوجعني إني بفرَح وأتأثر بأقل حاجة بيعملها.
يوم الجمعة استأذنته ورجعت بيت أمي أقعد معاها، وكنت مبلغاه من يوم الاثنين.
ولما رجعت يوم الأحد، ريحة الشياط والحيطان المحروقة كانت واصلة لحد الأسانسير!
المطبخ كان مزبلة: أطباق وسخة مكومة، علب بيتزا مرمية في كل حته، وطاسة سودة مهببة على البوتاجاز. وشريف قاعد في الصالة بيتفرج على فيديوهات على التليفون ولا على باله.
— إيه اللي حصل هنا ده؟!
— حاولت أطبخ معرفتش.
— وليه منضفتش القرف ده وراك؟
هز كتافه ببرود:
— قلت لما ترجعي نتساعد وننضف سوا.
فيه حاجة جوة قلبي انطفت تماماً في اللحظة دي.
ماكانش بسبب الكركبة ولا المطبخ الوسخ…
كان بسبب الحقيقة اللي وضحت.
أسبوع واحد كان كفاية عشان يثبت إنه متغيرش ولا حاجة، هو كان بيمثل ويمشي دنيته طالما خايف إني أضيع منه.
قلعت الدبلة وحطيتها على الرخامة بهدوء.
— بكرة هجي ألم هدومي وحاجتي.
— هتهدي ثلاث سنين جواز عشان مطبخ وسخ وطاسة محروقة؟!
— لا، بطلب الطلاق عشان ثلاث سنين أنت عمرك ما شفت فيهم أنا كنت بعمل إيه ولا بتعب إزاي عشان البيت ده يفضل واقف.
مشيت من غير ما أرفع صوتي ولا أزعق.
وقبل ما باب الأسانسير يقفل، سمعت شريف بيمسك التليفون ويكلم أمه.
مش عشان يستنجد بيها أو يشتكيلها مني…
لكن عشان يقولها الجملة اللي تمنيت أسمعها منه من ثلاث سنين.
الجزء الثالث
— يا أمي متجيش. أنا اللي بوظت كل حاجة بهبلي.
الباب اتقفل ومسمعتش بقية الكلام.
الجملة دي فضلت ترن في ودني لحد ما وصلت بيت أمي. مش لأنها خلتني أتردد أو أرجع في قراري، بس لأنها كانت الجملة اللي استنيت سنين عشان يقر بيها.
أمي فتحتلي الباب، أخدتني في حضنها، واستنت لما قعدنا في المطبخ وشرِبنا حاجة دافية.
— خلاص يا ماما… اتأنفست.
— متأكدة من قرارك؟
— متأكدة ألف في المية.
حكيتلها على المطبخ، الدبلة، والمكالمة اللي سمعتها.
— يبقى من بكرة الصبح نبتدي في الإجراءات —ردت عليا بثبات.
جوازنا كان بعقد قائمة وشروط، والشقة كانت معملة بعد الجواز، ورغم إن الشقة باسم شريف في الأقساط، بس الفلوس كانت بتدفِع من دخلنا وإحنا متجوزين. وحماتي نادية كانت دافعة جزء في المقدم، يعني أي نقطة خلاف هتتحسب بالأوراق والمستندات، مش بالصوت العالي والزعاق.
أمي كانت واضحة معايا:
— مش هنفتري ولا نطلب حق مش حقك، وفي نفس الوقت مش هنسيب قرش واحد من حقك.
وده بالظبط اللي كنت عاوزاه.
تاني يوم الصبح لقيت على تليفوني 27 مكالمة فائتة منه.
الرسائل الأولانية كانت:
” ارجعي ونتكلم.”
”سامحيني والبيت سينضف فوراً.”
”أنا هعمل كل اللي عايزاه.”
بعدها اللهجة اتغيرت وبقت عتاب وقسوة:
”أنتِ كبرتي الموضوع وتلككتي.”
”مافيش ست أصيلة تسيب بيتها عشان شوية مواعين!”
وفي الآخر خالص:
”أمي كان عندها حق، أنتِ عمرك ما طمر فيكي حاجة من اللي عملتها عشانك.”
وريت المحادثة لأمي.
— سبيها ومتمسحيش حاجة —قالتلي—. الناس بياخدوا وقت عشان يعيدوا كتابة التاريخ لما يلا أفعالهم ليها عواقب.
رفعنا دعوى الطلاق للضرر مع الأستاذة نجلاء، زميلة أمي في المحاماة. فزمتلي إن شريف مش هيقدر يجبرني أعيش معاه بالسيف، بس القصة كلها هتاخد وقت في تصفية الحقوق والمؤخر والحاجات المادية.
شريف جاب محامي هو كمان.
أول دفاع ليهم كان إن الشقة من حقه هو لوحده لأنه كان بيدفع أقساط أكتر ولأن أمه شاركت في المقدم. وادّعى كمان إني “تقريباً مكنتش بشارك في مصاريف البيت” لأني شغالة من البيت ودخلي أقل منه.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي كلام عن الفلوس.
أنا كنت بدفع أكل الأسبوع، الفواتير، ومستلزمات البيت كلها بكارتي. كنت بسهر طول الليل أراجع كتب وروايات لغاية ما ظهري يتكسر. كنت برتب المواعيد، الفواتير، التصليحات، وأبقى عارفة الأكل المتبقي، الفواتير اللي معادها جه، والأوراق فين.
بعد أسبوع واحد من مشيتي، شريف بعتلي مسج يسألني هي الملايات النظيفة محطوطة فين!
مردتش عليه.
المحامية جمعت كشوف الحسابات، فواتير الشراء، عقود الشغل، والتحويلات. وكمان قدمنا عرض الشغل المكتبي اللي كنت رفضته زمان عشان شريف كان مأصر إن “البيت محتاج اللي يراعية”.
الموضوع ماكانش إثبات إني ملاك.
الموضوع كان كسر كذبة إني مكنتش بعمل حاجة.
وفي وسط كل الدوشة دي، استلمت شغلي الجديد في دار النشر اللي كانت في بيت قديم جميل قريب من محطة الرمل في الإسكندرية.
أول يوم وصلت قبل معادي بتلت ساعة. كنت نسيت شعور إن يكون عندك مكان رايحة له بطلبك وشغفك أنتِ.
مديرتي، مدام ميرفت، سلمتني رواية مليانة تعديلات.
— عاوزة رأيك الحقيقي النقد المباشر، مش تحاولي تقوليلي اللي فاكرة إني عاوزة أسمعه.
الجملة نزلت عليا زي قلم فاقني.
في جوازي، كان رأيي مسموع بس لما يوافق رأي شريف.
بعد الضهر سلمت ملاحظاتي.
— ممتازة —قالت مدام ميرفت—. بكرة تناقشي وتدافعي عن تعديلاتك في الاجتماع.
”دافعي عن تعديلاتك.”
الكلام خلى دموعي تنزل من غير ما أحس.
واحدة واحدة بدأت أسترد حاجات صغيرة ضاعت مني: أفطر الحاجة اللي على مزاجي، أزور صاحباتي من غير ما أقدم مبررات، أشتري ورد للبيت لمجرد إنه يعجبني، وأقضي يوم الأحد كله أقرأ رواية من غير ما أحس بذنب.




