
شريف نبرته اتغيرت هي كمان.
بطل يهاجم وبقى يطلب يقابلني ونتكلم.
رفضت أسابيع، لحد ما المحامية شافت إن القعدة هتبقى مفيدة عشان نخلص الاتفاق المالي ودياً.
اتقابلنا في كافيه.
شريف جه قبلي، وكان باين عليه التعب والهم.
— شكلِك اتغير يا ندى.
— وأنت كمان.
— البيت ساكت أوي ومن غير روح.
مردتش.
— أنا مكنتش عارف إنك بتعملي حاجات كتير أوي كده في البيت.
— لا، أنت كنت عارف، بس مأخدتش بالك غير لما الحاجات دي بطلت تتفعل لوحدها.
بص في الأرض ووطى راسة:
— أمي جاتلي بعد ما مشيتي… كانت عاوزة تاخد هدومي تغسلها عندها.
ابتسمت مرارة:
— متوقعة.
— قلتلها لا.
الرد ده فاجأني بصراحة.
— اتخانقنا يومها… قالتلي أنت مش محتاج تتعلم حاجات المفروض مرتك هي اللي تعملها. قلتلها أنا عندي أربعة وثلاثين سنة وعيب أوي أكون مش عارف مكان الفوط فين في بيتي.
سكت شوية وبعدين كمل:
— أنا بدأت أروح لدكتور نفسي.
— خطوة كويسة.
— الدكتورة سألتني ليه كنت فاكر إن عشان بكسب أكتر ده يديني سلطة أتحكم فيكي وأمشيكي على مزاجي… ملقتش رد أقولهولها.
— عشان عمرك ما سألت نفسك السؤال ده قبل كده.
— صح.
أخد نفس عميق:
— أنا هوافق على تقييم الشقة. عاوز أحتفظ بيها وادفعلِك نصيبك بالكامل زي ما الأوراق والاتفاق بيقولوا. وهسحب كلامي اللي قلته إني أنتِ مكنتيش بتشاركي… ده كان كذب.
— ده كان أسلوبك عشان تعاقبني.
— مظبوط.
الصراحة دي كانت توجع أكتر من أي حجة.
— ليه مضيت على الورقة دي زمان طالما مكنتش ناوي تتغير؟
شريف بص للشارع من الشباك:
— لأني كنت خايف أضيعِك. بس بصراحة… كنت فاكر إني لو استحملت كام يوم، كل حاجة هترجع زي الأول وأنتِ هتهدي.
أهو ده السر كله.
هو متغيرش عشان بيحترمني.
هو اتغير مؤقتاً عشان كان خايف.
— ولما رجعتِ الأحد ده —كمل بصوت مكسور—، كنت مستني بجد إنك تنضفي المطبخ معايا. ولما شفت وشك فهمت إني قضيت الأسبوع ده “بساعدك” مش “بشيل مسؤوليتي”. كنت فاكر نفسي بطل عشان غسلت طبقين.
أنا كنت بشتغل سنين من غير ما أستنى تسقيف.
هو كان مستني ميدالية عشان استحمل أسبوع!
— أنا حبيتك أوي يا شريف —قلتهاله من قلبي.
— ودلوقتي؟
بصيت من الشباك:
— مشاعري اتأكلت مع كل مرة قلتلي فيها “متأفوريش”، مع كل مرة أمك هانتني فيها وأنت ساكت، ومع كل قرار أخدته بدالي.
شريف ضغط على شفايفه وسكت.
— هتسامحيني في يوم من الأيام؟
— غالباً اه.
رفع عينه في عيني:
— بس المسامحة مش معناها إني هرجع.
— عارف.
والمرة دي، صدقت كلامه.
الاتفاق المالي خلص بعد أسابيع. حُسبت مشاركة حماتي نادية في المقدم بالأوراق مع باقي الفواتير والمصاريف، شريف احتفظ بالشقة وأنا أخدت حقي الناشف بالكامل.
ماكانش الموضوع “خراب بيت” أو إني “أخدت شقاه”.
كان الموضوع تقفيل حسابات بالعدل.
الطلاق الرسمي تم بعدها بفترة قريبة.
لما المحامية كلمتني تبلغني، قعدت على بنك خشب قدام دار النشر.
محستش بنصر ولا شماتة.
حسيت بهدوء.
هدوء صافي ونظيف.
من غير أوامر.
من غير خوف إن حد يفتح باب بيتي بمفتاح أنا ممضيتش عليه.
عيطت خمس دقائق بالضبط.
وبعدها مسحت دموعي ورجعت كملت شغلي.
بعد شهرين أأجرت شقة صغيورة قريب من الشغل، وبعدها بقدرة ربنا قدرت أدفع مقدمها. كانت أوضتين، مطبخ صغيور وملموم، وبلفونة بتطل على الشارع.
أمي كانت معايا وأنا بستلم المفاتيح.
فضلت باصة للمفاتيح في إيدي.
— فيه حاجة يا ندى؟ —السمسارة سألتني.
— لا، بس مبسوطة إن مافيش حد تاني معاه نسخة منها.
أمي فهمت قصدي من غير ما تنطق كلمة.
في السهرة دي عزمت صاحباتي. واحدة جابتلي أبجورة تركواز كبيرة مش لايقة على أي حاجة في الصالة.
— جيبتهالك عشان مالهاش لازمة ومش عملية —قالتلي وهي بتضحك—. أنتِ طول عمرك بتشتري الحاجات العملية للبيت بس، جه الوقت اللي تجيبي فيه حاجة تحبيها لمجرد إن شكلها عاجبك.
حطيتها في الصالة.
ولسة محطوطة لحد النهاردة.
ياسمين أخت شريف بعتتلي مسج في يوم تقولي إن أمه “مكسورة ودمعتها على خدها” لأن شريف أبعد عنها.
مردتش عليها.
بعدها بأسابيع عرفت إنه طلب من أمه ترجع المفتاح وبطل يخليها تيجي من غير ميعاد، وبدأ يحط حدود لياسمين اللي كانت متعودة تخليه يقضيلها كل طلباتها.
بالنسبة ليهم، شريف “اتغير وبقى قاسي”.
يمكِن اتغير فعلاً.
بس مش بالطريقة اللي هما عاوزينها.
بعد ثلاث شهور من الطلاق كلمني.
— مش عاوز أزعجك —قال لي—. بس كنت عاوز أقولك حاجة.
— سامعاك.
— أنا النهاردة طبخت كوارع وفتة.
ضحكت من قلبي:
— ده تطور خطير.
— طلعت مش قد كده بصراحة.
— أهو ده التطور الحقيقي بقى!
ضحك هو كمان.
— الدكتورة بتقولي إني كنت بلخبط بين الرعاية والخدمة. اتعكست في بيتنا إن الست بتعبر عن حبها بأنها تشيل كل حاجة، والراجل بيعبر عن حبه بإن يدفع الفواتير. بحاول أغير المفهوم ده من دماغي.
— يفرحني إنك بتحاول.
— أنا مش بكلمك عشان أطلب ترجعي.
— عارفة.
— كنت عاوز أشكرك بس.
— أنا ممشيتش عشان أربيك يا شريف.
— عارف ده كمان. بس لو مكنتيش مشيتي، كنت هفضل فاكر إن المشكلة فيكي أنتِ.




