
بصيت لطارق وقولت بصوت ناشف زي الحجر الإيميل اللي البنك بعتهولي؟ في إيد المحامي بتاعي. الورقة اللي حمايا كتب فيها بخط إيده تأجيل توقيعي عشان تضمنوا القرض بالتزوير؟ نسختها راحت للنيابة في بلاغ نصب وخيانة أمانة. والتسجيل العظيم ده اللي مامتك بتعترف فيه إنها جاية تجبرني أتنازل؟ هيكون حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتكم كلكم!
وش طارق قلب أصفر زي الليمونة، وحماتي عينيها وسعت برعب وهي بتبص للموبايل أنتِ أنتِ بتسجليلنا في بيتنا يا قليلة الأصل؟!
ضحكت بمرارة وقولت وأنا باخد شنطة إيدي وبتجه للباب ده مش بيتك، ده بيتي اللي دافعة تمنه دم قلب، وهتشوفوا أنا هعمل إيه بالقانون.
وقبل ما أفتح الباب، رن جرس البيت برنة طويلة متواصلة طارق بص على العين السحرية ورجع خطوتين لورا وركبه بتخبط في بعض ندى ده ده محامي البنك ومعاه اتنين شكلهم مباحث!
رنة الجرس التانية كانت أطول وأتقل، عاملة زي نقر الموت على الباب. صدى الرنين كان بيرن في حيطان الصالة وكأنه بيصحّي كل كابوس كنت خايفة منه.
طارق فضل متصلب مكانه قدام الباب، وشه مش بس أصفر، ده بقى شاحب ومخطوف زي الميتين، وريقه نشف لدرجة إنه بلعه بصوت مسموع في الصالة كلها. حماتي، الحاجة كوثر، اتنفضت من مكانها وجريت عليه زي العقربة، شدت دراعه بغل وهمست بصوت مسرسع خايف ومبحوح مباحث إيه وبنك إيه يا منيل على عينك؟! اوعى تفتح! اوعى تفتح لحد يا طارق! تلاقيها هي البت دي مأجرة لها بلطجية من الشارع عشان تلبسنا مصيبة وتخوفنا بيهم!
بصيت لهم وأنا برجع خطوة لورا، ساندة ضهري على الحيطة وإيدي التانية لسه متشبثة ببطني اللي الوجع فيها ما هداش ثانية واحدة. بس كمية الأدرينالين والحرقة اللي ضربت في عروقي خلتني أنسى التعب كله، واتمليت بقوة عمري ما تخيلت إنها عندي. ضحكت بوجع وقهرة وقلت بصوت بيجلجل في الصالة افتح يا طارق افتح للناس اللي واقفين برة بقالهم ربع ساعة، وري لأمك البلطجية اللي ببدل رسمية وكرفتات بيعملوا إيه في النصابين اللي بيمدوا إيدهم يزوروا أوراق رسمية ويسرقوا شقا الناس!
الباب خبط تلات خبطات جامدين ومتتاليين ورا بعض، جه من وراهم صوت جهوري حازم وناشف زي الصخر يا أستاذ طارق إبراهيم! افتح لو سمحت، الشؤون القانونية للبنك ومعانا قوة أمنية ومأمور ضبط قضائي، عدم فتح الباب هيعتبر مقاومة سلطات وتعطيل إجراءات رسمية وهيتحرر بيه محضر فوري بالكسر!
إيد طارق كانت بتترعش بطريقة هستيرية وركبه
بتخبط في بعضها وهو بيمد إيده على الكالون. حماتي حاولت تمسك إيده وتمنعه بكل عزمها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، بس هو زقها بضعف ورعب، وفتح الباب وهو شبه مشلول.
دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة كحلي مقلمة وشنطة جلد سودة تقيلة في إيده، ملامحه جامدة وصارمة ما فيهاش ريحة التهاون، ووراه دخل راجلين بلبس مدني بس هيبتهم وطريقة وقفتهم ونظراتهم الحادة ما تديش غير إنهم من مباحث الأموال العامة.
الراجل أبو بدلة وقف في نص الصالة وبص حواليه بنظرة فاحصة
سريعة، عينه لقطت الفايل الكحلي التقيل المرمي بإهمال على ترابيزة السفرة، وبعدين بص لطارق وقال بنبرة رسمية تخلي الدم يجمد في العروق أستاذ طارق إبراهيم الدسوقي؟ طارق هز راسه بالعافية وهو ساند على الباب، وصوته مش طالع من زوره. أنا الأستاذ عصام عبد الرحمن، مدير الإدارة المركزية للشؤون القانونية بالبنك الرئيسي، ومعانا السادة الضباط من مباحث الأموال العامة بناءً على إخطار عاجل وشكوى تزوير واستغلال أصول مصرفية ورهن عقاري تحت بند الاحتيال المالي الممنهج.
حماتي هنا لسانها فلت، وما قدرتش تكتم طبعها ولا الغل اللي ساكن جواها، صرخت بصوت عالي وهي بتهز إيديها في الهوا بطريقة سوقية احتيال إيه ونصب إيه يا راجل أنت وهي؟! أنتوا اتجننتوا ولا إيه؟! داخلين تهجموا على شقة ناس محترمين وأولاد ناس؟! الشقة دي شقة ابني وعرقه، ومن حقه يضمن أخته بلحمه ودمه وفلوسه، والبت الغريبة دي ملهاش كلمة ولا تملك شروى نقير في البيت ده! اطلعوا برة بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله في المعادي كلها وأفضحكم!
الأستاذ عصام حتى ما رمش، وما أداهاش أي اعتبار، كل اللي عمله إنه فتح شنطته الجلد ببرود قاتل، وطلع ملف أبيض مقوى وفرد أوراقه في وش طارق الست الوالدة توفر صوتها ومجهودها لتحقيقات النيابة العامة لو سمحت يا أستاذ طارق. الشكوى والبلاغ مش صادرين بس من مدام ندى، الشكوى صادرة من الإدارة المركزية للبنك نفسه بعد ما منظومة المراقبة والتدقيق الداخلي رصدت خروقات مالية كارثية في فرع التجمع الخامس من ساعتين بالظبط. أختك المصونة، الأستاذة مريم إبراهيم، بالتواطؤ مع مسؤول الائتمان بالفرع، قدمت ملف رهن رسمي للشقة دي عشان تسحب تسهيل ائتماني بقيمة اتنين مليون جنيه لتمويل سنتر تجميل!
طارق حسيت إنه هيدوخ ويقع من طوله، بس المحامي ما سكتش، كمل وهو بيقلب في الأوراق بصوت عالي والملف ده يا أستاذ مرفق بيه صورة ضوئية لتوكيل رسمي عام مخصص للتنازل عن العقارات منسوب صدوره للشهر العقاري باسم الزوجة، الأستاذة ندى عبد الرازق، ومعاه إقرار ضامن متضامن وشهادة مفردات مرتب مضروبة ومختومة بختم نسر مقلد لجهة عمل وهمية!
الكلمة نزلت عليا زي مية مغلية طشت في وشي توكيل رسمي باسمي؟! وشهادة مفردات مرتب متزورة؟! صرخت في وش طارق بكل طاقتي وقهرتي اللي كانت بتتحرق جوايا توكيل رسمي مزور باسمي يا طارق؟! ختم نسر مقلد وبتزور ورقي ومفردات مرتبي؟! وصلت بيكم الخسة والندالة لكده؟! تنصبوا وتزوروا في اسمي وشقايا عشان خاطر أختك وأنا شايلة ابنك في بطني وفي الشهر السابع؟! ده أنا اللي شيلتك يوم ما كنت قاعد في البيت من غير شغل! ده أنا اللي بعت ورث أبويا عشان أعمل لك بيت وكيان!




