
كان فيه راجل نازل من العربية.
لابس قميص فاتح وبنطلون بسيط، وفي إيده شنطة أدوات قديمة.
مشي ناحيتنا بهدوء.
كل خطوة كان بيقرب فيها، قلبي كان بيدق أسرع.
لحد ما أمي شافته.
وشها اتغير.
ابتسامتها اختفت.
إيديها نزلت من على الباب.
وبقت واقفة كأنها شافت شبح.
الراجل وقف قدامها.
وبص لها.
وقال بهدوء
إزيك يا نادية؟
أمي ما ردتش.
ندى بصتله باستغراب.
حضرتك مين؟
الراجل حط شنطة الأدوات على الأرض.
وبص لأختي.
وقال
أنا عادل.
ندى عقدت حواجبها.
عادل مين؟
بص لها للحظات، وبعدين قال
عادل أبوكي.
ساعتها
الشارع كله سكت.
وأنا من ورا الباب حسيت إن كل حاجة حواليا اختفت.
لأن الرجل اللي أمي قالت لنا طول عمرنا إنه هرب وسابنا
كان واقف قدامها.
حي.
وواقف في بيت بنته.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها
إن ظهوره ماكانش أخطر حاجة هتحصل في اليوم ده.
الأخطر كان السر اللي جاي معاه.
سر لو اتكشف
كان هيخلّي كل واحد واقف قدام باب بيتي يتمنى إنه ماجاش أصلًا.
عادل أبوكي.
الكلمة وقعت على المكان كأن حد رمى حجر في وسط بركة هادية.
ندى فضلت باصة له وهي مش مستوعبة.
إنت بتهزر؟
عادل ابتسم ابتسامة حزينة.
نفسي أكون بهزر يا بنتي.
أمي أخيرًا تحركت.
قربت منه خطوة، وصوتها خرج واطي ومتوتر
إنت بتعمل إيه هنا؟
بصلها في عينيها.
جاي أشوف بنتي.
بعد السنين دي كلها؟
السنين دي كلها أنا كنت بحاول أشوفها.
اتجمدت أمي.
أنا من ورا الباب كنت سامعة كل كلمة.
ندى بصت لأمي.
ماما هو بيتكلم بجد؟
أمي ما ردتش.
وهنا عادل مد إيده داخل جيبه وطلع ظرف بني قديم.
وقال
أنا مش جاي أعمل مشكلة يا نادية. أنا بس تعبت من إني أفضل ساكت.
أمي بصت للظرف، ووشها شحب.
قالت بسرعة
امشي يا عادل.
مش همشي.
الناس كلها هنا.
عارف.
هتفضحنا؟
هز رأسه.
لأ. أنا اللي اتفضحت سنين.
ثم رفع عينيه ناحية باب البيت وقال
سلمى لو إنتِ سامعاني، أنا مش جاي أخد منك حاجة.
قلبي اتقبض.
فتحت الباب.
كل العيون اتجهت ناحيتي.
خرجت بهدوء.
بصيت للرجل اللي قدامي.
كان في ملامحه حاجة غريبة
حاجة كنت بدور عليها طول عمري في صور قديمة مش واضحة.
نفس شكل عيني.
نفس طريقة الوقوف.
حتى إيده وهي ماسكة الظرف كانت بتترعش بنفس الطريقة اللي إيدي بتترعش بيها لما أكون متوترة.
قلت
إنت فعلًا أبويا؟
عادل بلع ريقه.
أيوه يا سلمى.
طب ليه سبتنا؟
أمي صرخت
عشان هو
قاطعها عادل
عشان أمك قالتلي إنكوا مش عايزين تشوفوني.
بصيت لأمي.
إيه؟
عادل كمل
أول سنة بعد ما انفصلنا كنت ببعتلكوا جواب كل أسبوع تقريبًا.
أمي قالت بسرعة
كداب!
فتح الظرف.
طلع منه مجموعة ورق قديم.
دي أول رسالة.
ورقة.
ودي التانية.
ورقة.
ودي إيصالات تحويل فلوس كنت ببعتها لمصاريفكوا.
أمي حاولت تاخد الأوراق من إيده.
لكنه رجعها ورا.
كل مرة كنت ببعت، كنت بستنى رد.
بصيت لأمي.
وإنتِ كنتِ بتقولي إيه؟
أمي سكتت.
سألتها تاني
كنتِ بتقولي إيه لما كان بيسأل عني؟
قالت بصوت مهزوز
كنت بحاول أحميك.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
تحميني من أبويا؟
عادل بص للأرض.
نادية كفاية.
أمي بدأت تبكي.
إنت مش فاهم أنا كنت بمر بإيه.
أنا فاهم أكتر مما تتخيلي.
ندى دخلت بينهم.
حد يفهمني! إيه اللي حصل أصلًا؟
عادل بص لنا إحنا الاتنين.
وقال
أنا وأمكم انفصلنا بعد مشكلة كبيرة حصلت في الشغل.
إيه المشكلة؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
خالكم محمود.
أمي شهقت.
ما تجيبش سيرته!
أنا استغربت.
خالي محمود؟ إيه علاقته بالموضوع؟
عادل فتح ظرف تاني.
وطلع منه صورة قديمة، ومعاها عقد.
أبو أمكم كان عنده مصنع صغير. وبعد وفاته، محمود مسك الحسابات.
وبعدين؟
حصل نقص كبير في فلوس الشركة.
أمي قاطعته
ده كان خلاف حسابات!
عادل هز رأسه.
لأ. كان اختلاس.
الناس اللي واقفة بدأت تتجمع أكتر.
واحد من أقاربنا قال
يعني إيه اختلاس؟
عادل بص له.
يعني فلوس اتاخدت من الشركة واتحطت في حسابات تانية.
ثم بص لأمي.
وأنا اكتشفت الموضوع.
سألت
وإيه اللي حصل؟
قال
طلبت من أمك تروح معايا للشرطة.
أمي غمضت عينيها.
وأنا رفضت.
لأن محمود هددها.
أنا بصيت لأمي.
هددك بإيه؟
ما ردتش.
عادل قال
قال لها لو أنا بلغت، هيكون أول واحد يتبلغ عنه لأنها كانت موقعة على أوراق من غير ما تعرف.
سألت
وإنت عملت إيه؟
قلت لنادية إني هاخد المسؤولية وأحل الموضوع بهدوء.
وبعدين؟
محمود اتفق مع ناس يزوّروا أوراق تثبت إني أنا اللي أخدت الفلوس.
سكت المكان.
يعني اتهموك؟
أيوه.
واتحبست؟
هز رأسه.
لأ. قدرت أثبت براءتي، لكن خسرت شغلي، وفلوس كتير، وكل حاجة تقريبًا.
أمي قالت
وأنا كنت حامل.
بصيت لها.
وإيه علاقة ده؟
أمي بدأت تبكي.
كنت خايفة عليكوا.
عادل رد بهدوء
وأنا قلت لها هفضل أصرف عليكم حتى لو من بعيد.
ثم بص لي.
لكن أمك قالتلي إن وجودي هيأذيكوا.
وإنت صدقتها؟
صدقتها.
قالها وهو مطأطئ رأسه.
وبعدها كل ما حاولت أتواصل، ماكنتش بتوصلني إجابة.
أمي صرخت
لأنك كنت هتخسرنا!
عادل رد
أنا خسرتكم أصلًا.
الصمت كان أقسى من أي صراخ.
وفجأة ندى قالت
طب والبيت؟
كلنا بصينا لها.
هي نفسها اتوترت.
إيه علاقة البيت بكل ده؟
عادل بص لي.
ده أهم جزء في الموضوع.
قلبي دق.
إيه؟
أخرج ورقة قديمة جدًا.
البيت ده ماكانش ملك جدتك لوحدها.
ندى قربت.
أمال ملك مين؟
قال
أنا اللي بنيته.
بصيت له.
إنت؟
أيوه.
أمي قالت بسرعة
هو ساعد في بنائه بس.
عادل هز رأسه.
الأرض كانت باسم والدتك، لكن البناء كان بفلوسي.
ثم نظر لي.
ولما اتولدتِ، جدتك قالت إنها عايزة البيت يبقى أمان ليكي في المستقبل.
أنا ما اتكلمتش.
قال




