
نظر طارق نحو الممر.
ثم نحو النافذة.
ثم نحوي.
لم يعد لديه أي مخرج.
وبينما كانوا يضعون الأصفاد في يديه، ظل يكرر أنني لا أفهم ما الذي يفعله.
ولأول مرة، لم أشعر بأنني بحاجة إلى فهمه.
كنت أريد فقط ألا يتمكن من فعل ذلك مرة أخرى أبدًا.
كان القبض على طارق مجرد البداية.
صادرت النيابة أجهزة الكمبيوتر والهواتف والحسابات المصرفية والأقراص الخارجية، بالإضافة إلى مستندات مخبأة في مستودع صغير مستأجر باسم شخص آخر.
وبدأت الأسماء تتكاثر.
لم تكن هناك ست نساء فقط.
بل سبع عشرة امرأة.
بعضهن كن على قيد الحياة.
وأخريات اختفين منذ سنوات، ولم تتمكن عائلاتهن من الربط بين حالات اختفائهن وبين بعضها البعض.
اكتشفت السلطات أن طارق كان يستغل رحلات عمله لإقامة علاقات مع الوسطاء ونقل المعلومات بين مدن مختلفة.
وكان عمله في مجال مبيعات المعدات الطبية قد ساعده على الظهور كرجل محترم.
كان يسافر.
ويتعامل مع المستشفيات.
ويمتلك جدول عمل غير منتظم.
وكان بإمكانه بسهولة أن يفسر سبب حمله لمواد غريبة.
لقد كنت أنام طوال سنوات بجوار رجل كانت حياته الحقيقية تجري خلف باب آخر.
واكتشفت أيضًا شيئًا آلمني بطريقة مختلفة.
كان طارق قد درس نقاط ضعفي.
كان يعرف أنني أميل إلى العمل أكثر من اللازم.
ويعرف أنني أمر بفترات من التوتر.
ويعرف أنه عندما أنسى شيئًا، يكون أول رد فعل لدي هو أن ألوم نفسي.
ولهذا لم يكن بحاجة إلى إقناعي بكذبة ضخمة.
كان يحتاج فقط إلى أن يقدم لي تفسيرات صغيرة.
«أنتِ متعبة.»
«لقد عملتِ أكثر من اللازم.»
«ربما اصطدمتِ بالمكتب.»
«ربما تحدثتِ مع سارة وأنتِ شبه نائمة.»
كذبة صغيرة فوق كذبة أخرى.
حتى صنع قفصًا غير مرئي.
استمرت المحاكمة فترة أطول بكثير مما توقعت.
أدليت بشهادتي.
وأدلت سارة بشهادتها.
وسلّم العم إبراهيم تسجيلات كاميرته الخارجية.
ظهرت نساء أخريات.
ثم ظهرت عائلات أخرى.
وفي النهاية، صدر بحق طارق حكم يعني أنه على الأرجح لن يسير حرًا في أحد الشوارع مرة أخرى.
لكن الحكم عليه لم يمحُ خوفي.
فلسنوات طويلة، لم أستطع النوم وحدي.
انتقلت للعيش مع سارة.
وإذا أعدّ أحدهم لي مشروبًا، كنت أختلق عذرًا حتى لا ألمسه.
وإذا استيقظت أثناء الليل، كنت أتفقد الغرفة بأكملها.
ذهبت إلى العلاج النفسي.
وفي البداية، كنت أكره سؤالًا كانت المعالجة تكرره عليّ باستمرار.
— من كنتِ قبل طارق؟
كنت أحاول الإجابة.
مصممة.
أخت.
زوجة.
صاحبة مشروع.
لكنني فهمت بعد ذلك أنني كنت أحاول استعادة امرأة لم تعد موجودة.
وربما لم أكن بحاجة إلى استعادتها.
كان بإمكاني أن أبني امرأة جديدة.
بعد عام، استأجرت مكتبًا صغيرًا مكوّنًا من غرفتين في إحدى ضواحي جدة.
استخدمت خبرتي في التصميم لإنشاء منصة تربط النساء اللواتي يعانين من العنف والتلاعب بالمحامين والأخصائيين النفسيين ودور الإيواء وخدمات الطوارئ.
وساعدتني سارة في الوصول إلى جهات مختلفة.
أما العم إبراهيم فأصر على التبرع بأول عشرين ألف ريال.
قلت له إنني لا أستطيع قبولها.
لكنه أودع المال في الحساب على أي حال.
خلال العام الأول، ساعدنا ثلاثًا وأربعين امرأة.
ثم أصبح العدد أكبر.
لم أكن أقول لهن أبدًا أن يثقن بشكل أعمى بخوفهن.
كنت أقول لهن شيئًا مختلفًا.
راقبن.
اسألن.
ابحثن عن الأنماط المتكررة.
تحدثن مع شخص تثقن به.
لأن هذا هو ما أنقذني في النهاية.
لم تكن لقطة بطولية من فيلم.
ولم تكن حدسًا خارقًا.
كان كوب شاي يتزامن دائمًا مع أسوأ صباحاتي.
ومكالمة لم أكن أتذكرها.
وكدمة بلا تفسير.
وليلة قررت فيها أن أتحقق مما إذا كنت أتخيل الأشياء فعلًا.
لا تزال هناك لحظات أتذكر فيها ذلك الضوء الأحمر وهو يشتعل في الظلام.
ولا تزال في أذني نبرة صوت طارق وهو يتمنى لي أحلامًا سعيدة، بينما كان يعتقد أنني فاقدة للوعي.
لكنني لم أعد أتذكر تلك الليلة باعتبارها الليلة التي اكتشفت فيها الوحش الذي كنت متزوجة منه.
أتذكرها باعتبارها أول ليلة منذ وقت طويل أثق فيها بنفسي أكثر مما أثق به.
كان طارق قد أمضى أشهرًا يحاول إبقائي نائمة.
وفي النهاية، انتهى كل شيء لأنني في إحدى الليالي أبقيت عينيّ مفتوحتين.




