
كانت أول مكالمة أجريها لأختي سارة.
لكنها لم تجب.
كانت تعمل ممرضة في مستشفى خاص، وكانت في ذلك الوقت تنهي مناوبتها الليلية.
بعدها فكرت في جارنا المقابل، العم إبراهيم.
كان يبلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا، وكان قليل النوم، ويقضي جزءًا كبيرًا من الليل جالسًا بجوار نافذته يقرأ.
عبرت الشارع قرابة الخامسة فجرًا.
وعندما فتح لي الباب، لم يحتج سوى إلى النظر في وجهي حتى أدرك أن هناك شيئًا خطيرًا.
سألته إن كان قد لاحظ تحركات غريبة حول منزلنا خلال الأشهر الماضية.
تغيرت ملامحه.
وقال لي إنه كان ينتظر منذ وقت طويل أن أطرح عليه هذا السؤال.
كان طارق يخرج كثيرًا بين الثانية والثالثة فجرًا.
لكن ذلك لم يكن كل شيء.
في بعض ليالي الخميس، كانت تصل سيارات لا يعرفها.
كانت تتوقف على بُعد نصف شارع من منزلنا.
ثم ينزل منها رجال ويتجهون سيرًا نحو بيتنا.
لم يخبرني العم إبراهيم بأي شيء من قبل، لأن طارق كان قد أعد رواية مثالية.
كان قد أخبره أنني أعاني من اضطراب خطير في النوم.
وأنني أتناول أدوية.
وأن بعض الأطباء يزورونني سرًا لأنني أشعر بالخجل من أن يعرف الجيران بحالتي.
وأنا أستمع إليه، بدأت أفهم حجم ما فعله زوجي.
لم يكن يتلاعب بي وحدي.
لقد بنى صورة مزيفة عني أمام الأشخاص الذين كان بإمكانهم طرح الأسئلة.
وفجأة رن هاتفي.
كانت سارة.
أخبرتها بكل شيء.
ساد صمت طويل على الطرف الآخر.
ثم قالت لي:
— لا تلمسي أي شيء آخر، ولا تعودي إلى المنزل وحدك.
بعد ساعة، وصلت برفقة المحققة نادية، وهي محققة في النيابة العامة وكانت سارة تعرفها من خلال بعض القضايا التي تعامل معها المستشفى.
سلمتها الذاكرة الإلكترونية.
بدأت نادية بمراجعة الصور والسجلات والأسماء والتحويلات المالية.
وبعد دقائق قليلة، توقفت عن طرح الأسئلة.
وبدأت بإجراء الاتصالات.
كان الأمر أكبر بكثير مما تخيلت.
كانت هناك تحويلات مالية في عدة مناطق ومدن داخل البلاد.
وكان هناك ما لا يقل عن ست نساء تم التعرف إليهن.
كان هناك عملاء.
ووسطاء.
وبدا أن طارق يعمل معهم منذ سنوات.
ثم تلقت نادية اتصالًا.
رأيتها تنظر إلى هاتفها.
ثم رفعت عينيها نحوي.
قالت:
— طارق ليس في الإسكندرية.
حدقت فيها بدهشة.
— ماذا؟
أجابت:
— هو لم يصل إليها أصلًا.
كانت رحلته المزعومة لمدة ثلاثة أيام مجرد كذبة.
كانت إحدى كاميرات مراقبة الطرق قد التقطت لوحة سيارته أثناء عودته باتجاه جدة.
كان على بُعد أقل من ساعتين من منزلنا.
أغلقت المحققة نادية الحاسوب.
ثم قالت لي إن أمامهم فرصة للإمساك به ومعهم كل الأدلة والمعدات.
لكن لكي ينجح الأمر، كان يجب أن يعتقد طارق أن شيئًا لم يتغير.
قالت:
— الليلة عليكِ أن تعودي إلى منزلك.
نظرت إليها بصمت.
تابعت:
— يجب أن تنظري في عينيه.
— أن تقبلي الزهور التي سيحضرها لك.
— أن تبتسمي.
ثم توقفت لحظة قبل أن تقول:
— وتنتظري حتى يعيد إعداد الشاي لك.
الجزء الثالث
في الساعة السادسة وثماني وأربعين دقيقة مساءً، كنت جالسة في غرفة المعيشة أحاول أن أتذكر كيف كانت تتصرف المرأة التي كنتها قبل أربع وعشرين ساعة فقط.
كان هناك رجال أمن منتشرين حول المنزل.
كان أحدهم مختبئًا في منزل العم إبراهيم.
وكان آخرون يراقبون الشارع من سيارات لا تحمل أي علامات تدل على هويتها.
أما أنا، فكنت أضع جهاز تسجيل صغيرًا مخفيًا تحت ملابسي.
ومع ذلك، لم أشعر في حياتي كلها بهذا القدر من الوحدة.
في الساعة السابعة وثلاث دقائق، سمعت باب المرآب.
دخل طارق وهو يحمل علبة من الشوكولاتة وباقة من زهور التوليب.
اقترب مني مبتسمًا.
ثم عانقني.
طوال تسع سنوات، كنت أربط رائحته بشعور الأمان.
لكن في تلك الليلة اضطررت إلى كبح رغبتي في الابتعاد عنه.
سألني طارق إن كنت قد اشتقت إليه.
أجبته بأنني اشتقت إليه.
تناولنا العشاء.
وأخبرني بقصة مختلقة عن اجتماع عقده في الإسكندرية.
تحدث عن الازدحام.
وعن العملاء.
وعن مطعم قريب من الفندق.
كنت أومئ برأسي بينما أفكر في شيء واحد فقط.
لم تكن هناك أي رحلة من الأساس.
بعد العشاء، شغّل الموسيقى وغسل الأطباق.
كان الأمر عبثيًا تقريبًا.
الرجل نفسه الذي أمضى أشهرًا في تسجيل ردود فعل جسدي، كان قادرًا على أن يسألني بكل هدوء إن كنت أريد مشاهدة مسلسل قبل النوم.
في الساعة العاشرة وست وعشرين دقيقة، ذهب إلى المطبخ.
سمعت صوت الملعقة وهي تصطدم بالكوب.
ثم عاد ومعه شاي البابونج.
وضعه أمامي.
وتمنى لي ليلة سعيدة.
أمسكت الكوب.
وكان تقريب الكوب من شفتيّ واحدًا من أصعب الأشياء التي فعلتها في حياتي.
تظاهرت بأنني أشرب.
ثم صعدت إلى غرفة النوم.
كان إفراغ محتوى الكوب جزءًا من الخطة أصلًا.
استلقيت على السرير.
وأطفأت المصباح.
وانتظرت.
خمس دقائق.
عشر دقائق.
وبعد إحدى عشرة دقيقة، سمعت خطوات.
انفتح الباب.
ظهر طارق وهو يحمل الكيس الأسود.
تمامًا كما حدث في الليلة السابقة.
لكن هذه المرة كنت أعرف أن خلف الجدران أشخاصًا يستمعون إلى كل صوت.
وضع الكاميرا.
فتح دفتره.
راقب طريقة تنفسي.
ثم أخرج هاتفه.
وصلته رسالة.
أجاب طارق.
وصلت رسالة أخرى.
ثم قال شيئًا ما ما زلت أتذكره كلمة كلمة.
قال إن كل شيء أصبح جاهزًا، وإن هذه ستكون الجلسة الأخيرة معي.
تجمد الدم في عروقي.
كتب شيئًا آخر.
ثم اهتز هاتفه.
بدأ طارق في تجهيز عدة أكياس وعبوات.
كنت أنتظر الإشارة المتفق عليها.
لكنها لم تأتِ.
مرت عدة ثوانٍ.
ثم سمعت شيئًا في الخارج.
صوت ارتطام.
رفع طارق رأسه.
ونظر نحو الباب.
ظننت أن كل شيء قد انتهى.
اقترب من النافذة.
وفجأة اهتز هاتفه مرة أخرى.
قرأ الرسالة.
وتغير تعبير وجهه.
كان أحدهم قد حذره.
أغلق طارق الكيس الأسود بعنف.
عندها أدركت أن أمامي ثواني فقط.
اتجه نحو الباب.
ففتحت عيني.
توقف طارق في مكانه.
وتبادلنا النظرات.
لم نحتج إلى قول أي شيء.
ظهر على وجهه أولًا الارتباك.
ثم الخوف.
ثم الغضب.
اعتدلت في جلستي.
وقلت له:
— أنا أعرف من أنت الآن.
تراجع طارق خطوة.
وحاول أن ينطق باسمي.
عندها انفتح الباب.
دخلت المحققة نادية برفقة ثلاثة رجال أمن.




