Uncategorized

ادعيت أن بطني تؤلـ.ـمني

وعندما وصلنا إلى البنك كان التوتر يملأ المكان كله.
جلس مدير البنك معنا في غرفة خاصة بعد أن اطلع على الأوراق الرسمية.
ثم طلب المفتاح.
ناولته أمي المفتاح الذي احتفظت به طوال تلك السنوات.
نظر إليه الرجل للحظة.
ثم قال
إذن حان الوقت أخيرًا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
حتى أنا بدأت أتساءل عما يمكن أن نجده هناك.
فثلاثة عشر عامًا مدة طويلة جدًا.
وطوال تلك السنوات كانت الخزنة مغلقة.
لم يفتحها أحد.
ولم يعرف أحد ما بداخلها.
أما خالتي فكانت تراقب كل شيء بعينين متسعتين.
وكان واضحًا أنها تتخيل أشياء كثيرة.
ربما سبائك ذهب.
ربما أكوامًا من المال.
ربما مجوهرات قديمة.
وربما مستندات تثبت أن أمي استولت على كل شيء.
وكانت كلما اقتربنا من غرفة الخزنات يزداد توترها أكثر.
ويزداد معها حماسها أيضًا.
حتى وصلنا أخيرًا إلى الباب المعدني الكبير.
فتح الموظف الباب.
ثم قادنا إلى الداخل.
كانت الغرفة باردة.
وهادئة.
بشكل جعل صوت أنفاسنا يبدو مرتفعًا.
توقف الموظف أمام إحدى الخزنات.
ثم أدخل المفتاح.
وأدار القفل.
وانسحب الباب المعدني ببطء.
وفي تلك اللحظة شعرت أن الجميع توقف عن التنفس.
أمي.
وخالتي.
وعمي.
والمفتش.
وحتى مدير البنك.
كان الجميع ينتظر ما سيظهر.
أما خالتي فكانت تنظر إلى الداخل بعينين تكادان تلتهمان محتويات الخزنة قبل أن تراها.
ثم انفتح الباب بالكامل.
وساد الصمت.
صمت طويل.
وصادم.
لأن أول شيء أدركناه جميعًا هو ما لم يكن موجودًا.
لم يكن هناك ذهب.
ولا مجوهرات.
ولا أكوام من النقود.
ولا كنوز مخبأة.
ولا أي شيء يشبه الصورة التي ظلت خالتي ترسمها في خيالها طوال ثلاثة عشر عامًا.
كانت الخزنة تحتوي على عدة ملفات فقط.
وبعض المستندات المرتبة بعناية.
ومظاريف مغلقة.
ووصية رسمية.
ولا شيء أكثر.
تجمدت خالتي في مكانها.
ونظرت إلى الداخل وكأنها لا تصدق ما تراه.
ثم اقتربت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
وكأنها تبحث بعينيها عن شيء ما.
عن صندوق مخفي.
أو درج سري.
أو حقيبة أموال.
لكن

لم يكن هناك شيء.
فقط أوراق.
وأوراق.
وأوراق.
طلب المفتش من الموظف المختص مراجعة المستندات.
فأخرج الرجل الملفات واحدًا تلو الآخر.
ووضعها فوق الطاولة.
ثم بدأ يقرأ محتوياتها أمام الجميع.
وفي كل دقيقة كانت ملامح خالتي تتغير أكثر.
لأن الحقيقة التي بدأت تظهر لم تكن تشبه أي شيء توقعته.
كان أول ملف عبارة عن حصر رسمي للميراث.
يتضمن جميع الممتلكات.
وجميع الحسابات.
وجميع الأصول التي تركها جدي.
ثم ظهر الملف الثاني.
وكان يتضمن كشوفات توزيع الميراث.
موثقة.
ومختومة.
ومسجلة رسميًا.
رفع الموظف إحدى الصفحات.
ثم قال
تم تقسيم الميراث بالتساوي بين الابنتين.
ساد الصمت.
أما خالتي فحدقت فيه وكأنها لم تسمع جيدًا.
فأعاد الجملة مرة أخرى.
بالتساوي.

ثم بدأ يشرح التفاصيل بندًا بندًا.
الشقة التي حصلت عليها أمي.
والمبلغ المالي الذي حصلت عليه خالتي.
والوديعة البنكية التي تم تخصيصها لها.

والممتلكات الأخرى التي قُسمت وفق تقييم رسمي يضمن التساوي الكامل.
كل شيء موثق.
كل شيء مثبت.
كل شيء موقع عليه.
ولا يوجد أي فرق حقيقي بين نصيب هذه أو تلك.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
أما خالتي فكانت تنظر إلى الأوراق وكأنها ترى شيئًا مستحيلًا.
ثم قالت بصوت مرتجف
هذا غير صحيح.
لكن الموظف فتح ملفًا آخر.
وأخرج منه نسخًا إضافية.
ثم أشار إلى التوقيعات.
والأختام.
وتواريخ التسجيل.
وقال بهدوء
كل شيء تم توثيقه رسميًا.
كانت أمي صامتة.
لم تدافع عن نفسها.
ولم تتكلم.
فالأوراق كانت تتحدث بدلًا منها.
ثم وصل الموظف إلى آخر مظروف داخل الخزنة.
كان مغلقًا بعناية.
ومكتوبًا عليه بخط يد جدي
يُفتح عند الحاجة.
فتح الموظف الظرف.
وأخرج منه رسالة قديمة.
بدأ يقرأها بصوت مسموع.
فامتلأت الغرفة بالصمت مرة أخرى.
وكانت الكلمات بسيطة.
لكنها أقوى من أي شيء سمعناه منذ بداية القصة.
كتب جدي
إذا كنتما تقرآن هذه الرسالة الآن، فربما حدث ما كنت أخشاه طوال السنوات الأخيرة من حياتي.
ربما ظنت إحداكما أنني فضلت الأخرى عليها.
وربما ظنت إحداكما أن حقها قد ضاع.
لهذا السبب لم أترك شيئًا للصدفة.
لقد وثقت كل شيء رسميًا.
وقسمت كل شيء بالتساوي.
ولم أفضّل واحدة على الأخرى.
أما المفتاح فقد سلمته لابنتي الكبرى ليس لأنها الأقرب إلى قلبي، بل لأنها الأكثر تنظيمًا والأقدر على حفظ المستندات وعدم العبث بها.
أرجو ألا تسمحا للمال أن يهدم ما لم تستطع الحياة هدمه.
فالأخوات لا يُعوَّضن.
انتهى الموظف من القراءة.
ولم يتكلم أحد.
نظرت إلى خالتي.
فوجدتها تحدق في الرسالة.
دون حركة.
ودون كلام.
ودون حتى دموع.
وكأن عقلها توقف عن العمل.
ثلاثة عشر عامًا.
ثلاثة عشر عامًا من الغضب.
وثلاثة عشر عامًا من الحسد.
وثلاثة عشر عامًا من الشك.
وثلاثة عشر عامًا من الكراهية.
كلها انهارت خلال دقائق قليلة أمام مجموعة من الأوراق.
ثم جلست ببطء.
وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
وأدركت أخيرًا الحقيقة التي حاول الجميع إخبارها بها سنوات طويلة.
أمي لم تسرقها.
وأبيهما لم يظلمها.
ولم يكن هناك ميراث مخفي.
ولا ثروة مسروقة.
ولا مؤامرة قديمة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى