Uncategorized

شهر العسل

— عشان ما كانش معايا أي حاجة أقدمهالك غير المشاكل ووجع الدماغ.

— أنا ما طلبتش منك حساب في البنك ولا سمعة معصومة من الخطأ!

— أهلك عايزين لك واحدة ثانية من مستواكم.

— أهلي عايزين حاجات كتير… بس أنا اللي بختار حياتي.

خرجنا نتمشى ونحكي. كريم حكالي إنه راح لبيت عمتي 3 مرات، ولما محدش رضي يديله عنواني في القاهرة، بدأ يلف ويغني في كافيهات ومسارح القاهرة كلها، لأنه كان فاكر إني بحب الأماكن دي

— قلت يمكن في يوم ندخلي واحد منهم بالصدفة.

— ده جنان!

— بس جاب نتيجة أهو!

ضحكت وأنا بدمع.

وبعدين عرفت الحقيقة الثانية اللي ما كنتش متوقعة. كريم رفض منصب مريح في شركة أهله، وقرر يعتمد على نفسه ويكمل جامعة بجهده. ما سابش المزيكا، بس كمان ما رضيش يعيش صايع من غير هدف.

— أنا ما اتغيرتش عشان أبهرك يا مي.. أنا اتغيرت عشان اليوم ده على البحر لما سألتيني ناوي تعمل ايه في حياتك وما عرفتش أرد.

بدأنا نتقابل بالراحة ومن غير استعجال. كان لازم أتعلم إن تجربة غلط مع راجل نذل زي إسلام مش معناها إن كل الرجالة إسلام.

بعد 3 شهور، كريم طلب مني أقابل أهله في فيلتهم في التجمع. كنت هموت من الخوف وهلغي المعاد.

— هيشوفوني الست اللي اتسابت وهرب جوزها في ليلة الدخلة!

— لو حد بصلك البصة دي، هنقوم ونمشي فوراً.

أمه فتحت الباب قبل ما نبتسم ونخبط تاني مرة.

— أنتِ بقى مي؟

استنيت وش مشحور وتكشيرة.. بس لقيتها أخدتني في حضنها!

— شكراً يا مي.

— شكراً على ايه يا طنط؟

— إنك خليتي الواد الناشف ده يرجع يعقل ويدرس تاني!

أبو كريم ضحك وقال:

— الأول كان فاكر إن العالم مديون له بمسرح يغني عليه.. دلوقتي شغال معايا الصبح وبيغني بالليل. لو أنتِ السبب في التغيير ده، يبقى أهلاً بيكي في عيلتنا.

كنت مبهورة ومش مصدقة.

— بس أنا اتقال لي إنكم عايزين تختاروا له عروسة على مزاجكم؟

والدته اتنهدت وضحكت:

— أنا كان نفسي أعرفه على بنات أصحابي.. لكن أجبُره؟ دي بينها وبين العقل بحور!

كريم غمزلي:

— شفتي؟ أمي متعبة شوية آه.. بس مش مجرمة يعني!

ولأول مرة حسيت إن قصتي ما انتهتش عند حزن الغردقة.

بس كان فاضل مواجهة أصعب جرح.. أبويا.

لما كريم جه البيت يطلبني رسمي، أبويا ما إدالوش فرصة يكمل كلامه:

— بنتي عملت نمرة وفضيحة كفاية بسبب راجل!

قمت وقفت بثبات:

— أنا ما عملتش فضيحة يا بابا!

أبويا بص لي بذهول:

— مي…

— أنا شلت عار وفضيحة مش بتوعي شهور طويلة لأنك علمتني أخاف من كلام الناس والمنطقة أكتر ما أخاف من الظلم! إسلام سرقني وضحك عليا وهرب.. ومع ذلك أول واحد زعقت له وهينته كان أنا!

الصالة كلها سكتت.

كريم مسك إيدي، بس سابني أتكلم وأجيب حقي بنفسي.

أمي بدأت تعيط.. وأبويا نزل رأسه في الأرض وقال بصوت مكسور:

— عندك حق يا بنتي.

عمري في حياتي ما سمعت الكلمة دي منه.

— سامحيني يا مي.

الكلمة دي قفلت جرح كبير جوة قلبي، جرح حتى رجوع إسلام ما كانش يقدر يداويه.

وأيوة.. إسلام رجع تاني!

ظهر في يوم بعد الظهر قدام محل أبويا.. كان شكله مبهدل ومكسور. الست اللي هرب معاها سابته أول ما الفلوس خلصت، وأهله زهقوا من فضايحه وما بقوش يدوه مليم.

— مي.. أنا سمعت إنك هتتجوزي؟

— أيوة.

— مش ينفع تعملي كده.. إحنا بينا عشرة وتاريخ!

— كان بينا كتب كتاب وفرح.. والتاريخ أنت اللي مسحته بقلة أصلك.

— أنا كنت متلخبط ومجوز مش فاهم!

— لا.. أنت كنت فاهم ومخطط صح.. لدرجة إنك أخدت مجوهراتي ودهبي معاك وأنت ماشي!

أبويا خرج من المحل. افتكرته هيقولي بلاش فضايح في الشارع، بس وقف جنبي وحط إيده على كتفي.

— بنتي سمعتك كفاية يا إسلام.

إسلام بص له:

— يا عمي أنا…

— اليوم اللي مشيت فيه، افتكرت إن بنتي هي اللي جابتلي الفضيحة.. بس طلعت غلطان. الفضيحة والقرف كانوا أنت من الأول للآخر!

إسلام مشي وهو باصص في الأرض وما فتحش بقه.

دي كانت عدالتي الحقيقية: إن أبويا يفهم ويستوعب إن عمر ما كان العيب فيا.

اتجوزت أنا وكريم السنة اللي بعدها. والمرة دي كتبنا الكتاب في المأذون الأول، وأنا بنفسي راجعت كل ورقة وبصمت عليها، وكريم كان بيموت على نفسه من الضحك:

— راجعتِ كويس؟ تأكدتي إن مفيش عروسة ثانية مستنياني في عربية حمراء برة؟

— لسه بفتش وبطابق البيانات!

— طب خلاص، أنا هروح أفتش في جزمك بقى!

سافرنا شهر العسل في دهب. وقبل ما نخرج من الشاليه، كريم شال الشنط ورفع فردتين الجزمة البينك اللي كنت واخدة معايا:

— الفردتين موجودين أهو!

— مش هضيع ولا فردة المرة دي.

— خسارة والله!

— خسارة ليه؟

— عشان شوفي فردة الجزمة البينك القديمة دي جابتلي ايه في الآخر!

سكت وابتسمت.

أنا احتفظت بفردة الجزمة البينك دي في علبة سنين طويلة.. مش عشان أفتكر الندل اللي سابني، بس لأنها كانت الشاهد على اللحظة اللي تقفل فيها باب من القهر، واتفتح بعدها باب حياة جديدة.

كريم ما بقاش مطرب مشهور، مسك إدارة جزء من شغل أهله، وفضل يكتب ألحان وأغاني بالليل. وفيه أغاني له نزلت في الراديو وكافيهات كتير. بس أول أغنية كتبها على منديل في محل السمك، فضلت دايماً الأغنية المفضلّة لينا.

خلفنا ولد وبنت. ولما كبروا حكينا لهم القصة. ابننا الكبير كان بيضحك ويقول إن أبوه ثبت أمه لما رجعلها فردة جزمة!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى