Uncategorized

شهر العسل

وطار بالموتوسيكل قبل ما ألحق أسأله كلمة واحدة زيادة!

:

عمتي مرزوقة وصلت بعد ساعتين. اترجيتها ما تتصلش بأبويا ولا تقوله أي حاجة لحد ما أقدر أستوعب وأفكر. أخدتني عندها بيتها في العجمي بأسكندرية، وقعدت يومين تقريباً مش بخرج من الأوضة. الحمد لله إن المأذون ما كانش كتب الكتاب رسمي في المجمع، لأن إسلام كان مصر نكتب الكتاب بعد ما نرجع من السفر، فكده على الأقل مش هحتاج أرفع قضية طلاق من راجل اختفى في نفس يوم الفرح!

في الصبحية بتاعة اليوم الثالث، عمتي نزلت تروح البنك، وطلبت مني أستقبل أستاذ الدرس الخصوصي بتاع ابنها دانيال. لما سمعت صوت موتوسيكل برة البيت، قلبي اتخلع من مكانه.

الراجل اللي دخل من الباب… كان هو نفس الشاب اللي أدى لي الجزمة البينك!

— أنت؟!

ابتسم وقال:

— باين كده إنك مضطرة تصدقي إن أنا مش حرامي ولا حاجة!

دانيال ابن عمتي ضحك وقال:

— ده كابتن كريم يا مي، بيديلي درس رياضيات وإنجليزي.

طول وقت الدرس حبست نفسي فوق في الأوضة، بس دانيال طلعلي بعد ما كريم مشي وهو ماسك كتاب:

— كابتن كريم بيقولك الكتاب ده ليكي.

فتحت أول صفحة، لقيت رقم تليفون ومكتوب جنبه رسالة:

“أنا شفتك زمان كذا مرة وأنتِ بتمثلي وبتباركي وبتقولي شعر في ساقية الصاوي في الزمالك.. عمرِي ما تخيلت إننا هنتقابل في العجمي! بكرة الساعة 6، في الكافيه اللي على البحر في المعمورة. لو مش عايزة تيجي، أنا متفهم جداً.”

أنا كنت فاكرة الساقية كويس.. أيام الكلية، كنت بروح أنا وأصحابي نقعد هناك وكان فيه مسرح مفتوح للشباب، وكنت ساعات بطلع أقول كلام وأغني.

قفلت الكتاب وشيلته وأنا حاطة في دماغي إن مش هروح أبداً.

بس في نفس اليوم بعد الظهر.. أبويا وصل!

صوته كان زايق في البيت كله من الباب:

— يا مي! إزاي تستخبي هنا وتعملي كدة والقاهرة كلها بتتكلم علينا وعن اللي حصل؟!

نزلت السلم وأنا بجسمي كله بيرتجف:

— أنا اللي اتسابت واتضحك عليا يا بابا!

— كان لازم تاخدي بالك من الأول! أنتِ فاهمة الفضيحة والكسفة اللي حطيتيني فيها قدام الناس والقرايب؟!

فيه حاجة جوايا اتكسرت في اللحظة دي. خرجت من باب الجاردن المفتوح وركضت قبل ما حد يلحق يوقفني.

وفي أول الشارع… لقيت كريم واقف جنب الموتوسيكل بتاعه.

— خذني من هنا بسرعة!

— ايه؟!

— دلوقتي يا كريم!

دور الموتور من غير ما يسأل كلمة. طلعنا على كورنيش البحر بعيد خالص عن البيت. وأنا الطوفان بتاع الدموع مش راضي يقف.

— بابا بيقولي إن أنا اللي عملت الفضيحة والجرسة…

كريم بصلي بثبات وقال:

— أنتِ اتخدعتِ يا مي.. الفضيحة للندل اللي هرب وسرقك، مش ليكي أنتِ خالص.

مفيش بني أدم قال لي الكلام ده بالطريقة دي قبل كده.

قلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتفي وبدأنا نمشي. حكالي إنه بيدرس إدارة أعمال في جامعة القاهرة، وإن أهله عندهم شاليهات وقرى صغيرة في الساحل، بس هو نفسه يكتب أغاني ويلحن. بس أبوه كان شايف إن ده كلام فارغ وتضييع وقت.

— معايا يجي 30 لحن محطوطين في الدرج، بس مفيش ولا كلمة كلام يركب عليهم.

— دي مشكلة كبيرة!

— طب ما تساعديني؟

— أنا؟!

— أنتِ يوم ما كنتِ بتقولي شعر في الساقية، كنتِ بتقوليه كأنك فاهمة وحاسة بكل كلمة بتطلع منك.

قعدنا ناكل سمك وفول في محل صغير على البحر. كريم كان بيخبط على الترابيزة بصباعه بيعمل ريتم ومزيكا ويدندن.

ومن غير ما أفكر، لقيتني بقول:

“لو حد سرق مني الربيع… هتعلم أفرش وأزهر مع مطر تاني.”

كريم قطع النفس لثانية وبصلي:

— قوليها تاني كده!

ضحت لأول مرة من يوم الفرح:

— لا خلاص.

— عشان خاطري قوليها تاني!

عدتها له، وطلعت القلم وكتبها على منديل ورقي.

لما رجعنا البيت كان الليل طلع.

— أنا هاجي بكرة بدري — كريم قالها وهو بيودعني.

— مش بوعدك إن هطلعلك.

— بس أنا بوعدك إن هستناكي.

بس قبل ما الفجر يطلع، أبويا أجرني وركبني العربية بالعافية عشان نرجع القاهرة.

من شباك العربية، لمحت كريم واقف في أول الشارع جنب الموتوسيكل بتاعه. رفعت إيدي وشاورت له من غير ما بابا ياخد باله. كريم مشي ورا عربيتنا بالموتوسيكل كام شارع، وبعدين وقف وسابنا نمشي.

في القاهرة… الكابوس الحقيقي بدأ.

أهل إسلام جم البيت عندنا يعتذروا، واعترفوا إنهم كانوا عارفين بالست الثانية، وكانوا فاكرين إن إسلام “هيعقل ويهدى” لما يتجوزني!

أبويا أخدته العزة وطردهم برة البيت.. ودي كانت أول مرة في حياتي أشوفه بياخد حقي ويدافع عني.

بعد شهر كامل.. إسلام اتصل!

— مي.. هي سابتني ومشيت. أنا غلطت.. ممكن نصلح اللي فات ونرجع؟

— وهترجع لي المجوهرات والذهب والفلوس اللي سرقتها كمان؟

سكت وما عرفش يرد.

— ما تتصلش بالرقم ده تاني في حياتك.

أبويا والمحامين قدروا يرجعوا جزء من الفلوس والذهب بالقانون، والباقي عوضنا فيه ربنا.

مرت شهور.. عمتي مرزوقة كانت بتكلمني وتقولي إن كريم لسه بيسأل عليا وبيدور عليا.

بس قالت لي كلمة خلتني أقفل باب قلبي بضبة ومفتاح قبل ما أفكر أفتحه تاني:

— كريم عيلته مريشة يا مي.. وأمه بتدور له على عروسة من مقامهم وبنت ناس أغنية. بلاش تدخلي نفسك في مشاكل وجع دماغ تاني.

طلعت الكتاب اللي كريم كان مديهولي.. ومزعت الصفحة اللي فيها رقم تليفونه.

بعد 10 شهور كاملة.. صاحبتي ندى سحبتني بالعافية نخرج نروح كافيه فيه حفلة ومزيكا لايف في المعادي.

— هي ساعة واحدة بس يا مي ونمشي.

الإضاءة هديت في المكان.. وطلع شاب طويل ماسك جيتار في إيده.

كان كريم!

وقفت بسرعة عشان أهرب وأمشي.. بس أول ما مسك الميكروفون وبدأ يغني، رجلي اتسمرت في الأرض.

النغمة كانت هي هي..

وبعدها سمعت كلامي اللي قلتهوله على البحر:

“لو حد سرق مني الربيع… هتعلم أفرش وأزهر مع مطر تاني…”

وقفت مش قادرة أتحرك ولا أتنفس.

أول ما خلص الأغنية، كريم بص في أخر القاعة، عينيه جيت في عيني وسط الناس كلها.. ومسك الميكروفون وقال بصوت مسموع للكل:

— مي… أنا بقالي 10 شهور بقلب الدنيا عليكِ!

الكابوس كله اتحول لذهول في الكافيه. وشي احمر وحسيت بنفس السخونية اللي حسيتها يوم فرحي، بس المرة دي ما كانش كسوف ولا عار. كريم نزل من على المسرح وهو لسه معلق الجيتار في رقبة.

— ليه عمرك ما اتصلتي يا مي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى