
قفل الباب في وشي، وتاني يوم الصبح، جاب عمال وبنى السور العالي ده. وقف ورا السور وقالي بصوت واطي ومليان غل: ‘لو قربت من ابني، أو نطقت باسمي القديم، أنا هبلغ عنك البوليس بإيدي، وهقول هربان من حكم مؤبد.. انسى إن ليك ابن، عشان أنا معنديش أب!’.”
نزلت المذكرات من إيدي وأنا مش قادر أتنفس. الحروف كانت بتتحرك قدام عيني زي الدود. أبويا.. الراجل المثالي، المحترم، اللي كان بيعلمني الأصول والدين، كان عايش في رعب طول حياته من أبوه! كان شايف أبوه مجرم هربان، وحارمني من جدي عشان خايف على نفسه وعلى برستيجه واسمه الجديد اللي بناه بالكدب!
سحبت بقية الورق اللي في الصندوق. لقيت جوابات قديمة من محامين، وشهادات من ناس عاصرت القضية دي. جدي مرسي قضى الـ 40 سنة اللي فاتوا بيجمع أدلة براءته! كان بيحاول يثبت لرضا ابنه إنه مظلوم، إنه مأخدش المليون جنيه، إنه هرب بس عشان يحميهم!
وفي آخر الدفتر، كانت فيه تذكرة قطار قديمة، وورقة صغيرة مكتوبة بخط مهزوز جداً، باين إنها اتكتبت في أيام جدي الأخيرة في المستشفى:
“حسن يا ابني.. الصندوق ده فيه ورق براءتي الحقيقية، القضية سقطت بالتقادم من زمان بالنسبة للحكومة، بس مسقطتش في قلب أبوك لحد ما مات. أنا عشت جمبكم عشان أحرسك، عشان أشوف حتة مني بتكبر. أبوك رضا مات وهو فاكرني حرامي.. وأنا بموت دلوقتي وأنا ماليش في الدنيا غيرك. الورق ده فيه الحقيقة.. وفيه كمان عقد البيت اللي إنت عايش فيه والبيت اللي أنا عايش فيه.. البيت ده بتاعك يا حسن، أنا سجلته باسمك من عشر سنين من غير ما أبوك يعرف.
بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها.. رئيس مجلس الإدارة اللي ظلمني زمان، ابنه لسه عايش، وبقى راجل أعمال كبير وله نفوذ، والورق اللي في الصندوق ده يدينه هو وأبوه في قضايا تانية لسه متموتش.. قضايا فساد وتبييض أموال. أنا سبتلك الورق ده عشان تغسل اسم جدك.. بس خلي بالك، الناس دي لو شمت خبر إن الورق ده معاك.. مش هيرحموك.”
قريت السطور الأخيرة وجسمي كله بيلعن الخوف اللي عاشت فيه عيلتي. جدي مات مظلوم، وحيد، منبوذ من ابنه، والناس في الشارع فاكرينه “راجل خطر” أو “مجنون”، وهو كان يدوب عجوز مكسور بيحاول يحمي ابنه اللي اتبرى منه.
سكت ثواني، وكنت لسه هقفل الصندوق وأقوم، بس سمعت صوت حركة غريبة بره الشقة.
صوت خطوات رجلين تقيلة على السلم الخشب القديم بتاع البيت.
جسمي تيبد في مكاني. الشقة مفيهاش روح، ومحدش يعرف إني هنا، ومسافة السكة من المدافن لحد هنا مكنتش تسمح لحد يراقبني إلا لو كان مستنيني أصلاً!
الخطوات كانت بتقرب.. خطوة.. خطوة.. بالراحة وبثقة كاملة.
حطيت الصندوق ورا ضهري بسرعة، ووقفت وأنا قلبي بيدق في زوري. الباب الخشب البراني للشقة كان مقفول بس مش مرتج بالترباس. وفجأة، الصوت وقف تماماً بره الباب.
نفسي انقطع. المطر بره كان بيخبط في الشيش بصوت عالي، والضوء في الأوضة كان ضعيف جداً، يدوب لمبة صفرا واحدة مدلدلة بسلك من السقف وبتتهز.
وفجأة.. الباب اتفتح ببطء.
ظهر على العتبة راجل طويل، لابس بالطو أسود غامق طويل واصل لحد ركبته، غرقان من المطر. كان لابس كاب مغطي نص وشه، بس لما رفع راسه، شفت ملامحه.. راجل في أواخر الخمسينات، وشه قاسي زي الحجر، وعينيه باردة ومفهاش أي رحمة. وراه كان واقف اتنين رجالة بجسام ضخمة، باين عليهم حرس أو مرافقين.
الراجل داس بجزمته المبلولة على السجاد القديم، وبصلي بنظرة هادية ومرعبة، ونزل عينه على الصندوق الحديد اللي ورا ضهري، وقال بصوت رخيم وهادي جداً، يخلي الدم يتجمد في العروق:
“أهلاً يا أستاذ حسن.. البقاء لله في جدك مرسي.. أو نقول عبد الرحمن عبد الجليل؟ مش مهم الاسم.. المهم إنك وصلت للأمانة بسرعة، ووفرت علينا وقت كبير كنا هنقضيه في تدوير السندرة.”
أنا بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أبان متماسك وقولت بصوت متحشرج: “أنت مين؟ وعايز إيه؟ ودخلت هنا ازاي؟”
الراجل ابتسم ابتسامة صفرا، وقرب خطوة تانية وهو بيحط إيده في جيب البالطو، وطلع قداحة دهب ولع بيها سيجارة، ونفخ الدخان في وشي وقال:
“أنا؟ أنا اللي جدك قضى الـ 40 سنة اللي فاتوا يجمع ورق عشان يحبسني أنا وعيلتي. أنا كامل بيه السلاب.. ابن الراجل اللي جدك افتكر إنه يقدر يلوى دراعه بشوية ورق مصدي في صندوق قديم.”
قلبي سقط في رجليا. السلاب! ده الاسم اللي مكتوب في مذكرات جدي! ابن رئيس مجلس الإدارة! هما لسه مراقبين جدي لحد ما مات؟
كامل السلاب خد نفس من السيجارة وقال بنبرة هادية بس مليانة تهديد صريح: “جدك كان عجوز ومجنون، وعاش هربان زي الفأر، وأبوك رضا كان أذكى منه، فهم اللعبة واشترى عمره واسمه وعاش في حاله ومات مستور. إنت بقى يا حسن.. مدرس تاريخ غلبان، مالكش في السياسة ولا في المشاكل.. هتعمل زي أبوك وتشتري عمرك؟ ولا هتعمل فيها بطل وتدفن نفسك جمب جدك النهاردة؟”
بصيت للراجل، وبصيت للحارسين اللي واقفين وراه وسادين باب الأوضة بالكامل. الخوف كان بيشل حركتي، بس فجأة، افتكرت شكل جدي وهو بيموت لوحده في المستشفى، افتكرت عينه الدمعانة وهو بيديني الكورة من خرم السور وبيقولي: “الحاجات الغالية لما بضيع مبيجيش بدالها”.. واكتشفت إن الغالي اللي ضاع مننا طول السنين دي كان شرفنا، وحقنا، وحقيقة عيلتنا.
أنا ضغطت على الصندوق الحديد بضوافري وورا ضهري، وقولت بصوت حاولت أخليه قوي: “الورق ده مش هيطلع من هنا يا كامل بيه.. وأنا مش هسيب حق جدي.”
كامل السلاب ضحك ضحكة عالية ورخيمة هزت الأوضة الفاضية، وحط السيجارة في بوقه، وشاور بإيده للحارسين وقال ببرود قاتل:
“كنت عارف إنك مدرس تاريخ وهتتأثر بالشعارات الفاضية.. خلصوا الموضوع، وخدوا الصندوق، والبيت ده يولع باللي فيه.. المطر بره كفيل يغطي على ريحة الجاز.”
الحارسين قربوا مني وعينيهم مفيهاش أي تردد، وأنا رجعت لورا لحد ما ضهري لزق في الحيطة، والصندوق الحديد في إيدي.. مكنش فيه أي مخرج، والبيت قديم ومهجور، ومحدش في الشارع هيسمع صوتي لو صرخت..
وفي اللحظة اللي الحارس الأول مد إيده عشان يمسكني من رقبتي، سمعنا صوت حاجة غريبة..
صوت خبط ورزع عنيف جاي من الحيطة اللي ورايا! الحيطة اللي بتفصل بين شقتنا وشقة جدي!
وفجأة.. دوي صوت انفجار مكتوم، والطوب الأحمر بتاع السور القديم اللي بره بدأ يقع ويتكسر، وصوت سرينات عربيات شرطة ملا الشارع كله فجأة، ونور أزرق وأحمر بدأ يضرب في الشيش والشبابيك وكأن القيامة قامت في الحوش!
كامل السلاب اتخض ورجع خطوة لورا، والحارسين وقفوا ومبقوش عارفين يتصرفوا. وفي وسط الزيطة دي، الباب البراني اتضرب برجل قوية، ودخل الشقة مجموعة من رجالة العمليات الخاصة والشرطة، ومعاهم ظابط برتبة لواء، وبنادقهم اتوجهت بسرعة لصدور كامل السلاب ورجالته.


