
نزلت السلم بتاع الشركة جري، مكنتش مستني الأسانسير، كنت حاسس إن قلبي بيخبط في ضلوعي أسرع من صوت رجلي على السلم. ركبت العربية ودوست بنزين لأقصى سرعة وأنا ماشي في شوارع القاهرة اللي كانت غرقانة في المطر، والمنظر اللي شفته في الكاميرا مش راضي يفارق خيالي. أمي.. “الحاجة كريمة”.. الست اللي كانت دايمًا مثال للرقي والتدين، ماسكة مراتي من شعرها وبتطلع قزازة مجهولة عشان “تجننها”؟
فتحت الأبلكيشن تاني وأنا سايق بإيد واحدة، كنت عايز أشوف باقي اللي حصل، بس المرة دي دخلت على الأرشيف.. دخلت على تسجيلات الأيام اللي فاتت اللي مكنتش فضيت أشوفها. كنت فاكر إني هشوف تقصير من ليلى، بس اللي شفته خلاني ألطم على وشي من القهر.
شفت أمي وهي بتدخل المطبخ الصبح، وبتحط نقط من نفس القزازة دي في كوباية النسكافيه بتاعة ليلى.. شفت ليلى وهي بتشرب وبدأت بعدها بنص ساعة تدوخ، وتمشي تخبط في الحيطان، وتسيب سليم وهو بيعيط وهي مش قادرة ترفع جفنها.. وشفت أمي وهي بتدخل تصورها بالموبايل وهي في الحالة دي عشان تبعتلي الصور وتقولي “بص مراتك مهملة إزاي”.
شفت أمي وهي بتكرش سليم في رجله عشان يصرخ، ولما ليلى تيجي تجري عليه، أمي تزقها وتوقعها على الأرض وتقولها “ابعدي عنه يا وش الفقر، إنتي هتموتيه”.
كنت بصلي البيت في التجمع وأنا دموعي نازلة من كتر الغل. الغل من نفسي إني كنت حمار، إني صدقت “البرستيج” والمنظر الكداب ورميت مراتي في النار.
وصلت قدام الفيلا، ركنت العربية في نص الشارع ودخلت زي القتيل. فتحت الباب بالمفتاح بالراحة، كان البيت هس، مفيش غير صوت المطر برا وصوت تكتكة الساعة في الصالة.
طلعت الدور التاني، رجل بتسحب رجل، لحد ما وصلت لطرقة أوضة سليم. الباب كان موارب، وصوت أمي كان طالع بفحيح زي الأفاعي:
— “اشربي يا ليلى.. اشربي عشان تنامي ونرتاح من قرفك، ومحمد لما يجي بكره الصبح ويلاقيكي مش قادرة تقومي، هوديكي للمصحة بنفسي.. أنا كلمت الدكتور وقالي حالتها متأخرة”.
زقيت الباب برجل واحدة بكل قوتي، الباب خبط في الحيطة عمل صوت زي الرعد.
أمي اتنفضت، والقزازة وقعت من إيدها انكسرت على السيراميك، وريحة دوا نفاذة قلبت المكان. ليلى كانت واقعة على ركبها، عينيها غايبة، وأول ما شافتني حاولت تنطق اسمي بس صوتها مطلعش غير خروشة.
— “محمد! إيه اللي جابك يا حبيبي في وقت زي ده؟” أمي قالتها وهي بتحاول ترسم الابتسامة اللي بتخدع بيها الدنيا كلها، وبتحاول تداري قزازة الدوا المكسورة برجلها.
مردتش عليها. رحت لليلى، شلتها من على الأرض، كانت زي الريشة، كانت بتترعش في حضني زي عصفور مبلول. بصيت لأمي، وعيوني كانت بتطلع شرار:
— “الدوا ده إيه يا ست الكل؟ والمنظر اللي شفته في الكاميرا ده تسميه إيه؟”
وش أمي اتغير في ثانية، الوش الطيب الملاك اختفى، وظهر وش تاني عمري ما شفته، وش قاسي، بارد:
— “كاميرا؟ إنت بتراقب أمك يا محمد؟ بتراقب الست اللي ربتك وسهرت عليك عشان خاطر واحدة جربوعة زي دي؟”
— “دي مراتي! وأم ابني! اللي إنتي كنتي بتسميها وبتجننيها بقالك أسابيع!” صرخت فيها لحد ما حبالي الصوتية وجعتني.
أمي ضحكت ضحكة صفرا:
— “كنت عايزة أحميك.. البنت دي مش من توبنا، دي كانت هتاخدك مني، كانت هتاخد فلوسك وتدلع بيهم، أنا عملت كدة عشان تفضل ليا لوحدي، عشان سليم يتربى تحت إيدي أنا، مش تحت إيد مهندسة الديكور اللي فاكرة نفسها حاجة”.
في اللحظة دي، سليم بدأ يصرخ في سريره. ليلى حاولت تتحرك بس وقعت تاني. شلت ليلى وحطيتها على السرير، ورحت شلت ابني وضميته لصدري. بصيت لأمي وقولت بصوت واطي ومرعب:
— “اطلعي برا يا كريمة هانم.. اطلعي برا بيتي، وقسماً بالله لو شفت وشك تاني، الفيديوهات اللي معايا دي هتكون عند النيابة الصبح بتهمة الشروع في إيذاء”.
أمي بصتلي بنظرة كلها كره، لمت عبايتها وقالت وهي خارجة:
— “هتندم يا محمد.. هترجعلي زاحف لما تعرف الحقيقة اللي ليلى مخبياها عنك.. إنت فاكر إنك كشفتني؟ إنت لسه مشفتش نص المصيبة”.
رزعت الباب وراها وخرجت. البيت فضي، بس قلبي مكنش مرتاح. قعدت جنب ليلى، فضلت أغسل وشها بمية وأنا بعتذر لها مية مرة، وهي بدأت تفوق تدريجيًا.
— “محمد.. هي مشيت؟” ليلى سألتني وهي بتنهج.
— “مشيت يا حبيبتي، ومش هترجع تاني، أنا شفت كل حاجة، أنا آسف.. أنا حمار إني سيبتك ليها”.
ليلى مسكت إيدي بقوة، وعينيها كانت مليانة رعب:
— “محمد.. الدوا اللي كانت بتدهولي.. مكنش بس بيخليني أنام.. كانت بتخليني أمضي على ورق وأنا مش واعية.. كانت بتقولي إني بمضي على مصاريف البيت، بس أنا شفت الورق مرة في شنطتها.. ده كان تنازل”.
— “تنازل عن إيه؟” سألتها بذهول.
— “مش عن نصيبي في البيت ولا الفلوس.. ده تنازل عن وصاية سليم في حالة وفاتي أو دخولي المصحة.. بس المشكلة مش هنا يا محمد..”
سكتت ليلى وبدأت تعيط بحرقة، وبعدين قالت الكلمة اللي وقعت عليا زي الصاعقة:
— “أنا شفت ورقة تانية في الخزنة بتاعتها اللي في أوضتها الضيوف.. ورقة تحليل DNA باسمك وباسم سليم.. والنتيجة كانت بتقول إن سليم مش ابنك”.
الدنيا لفت بيا. سليم مش ابني؟ المستحيل ده إزاي؟ أنا واثق في ليلى أكتر من نفسي.
— “ليلى إنتي بتقولي إيه؟”
— “أمي هي اللي عملت التحليل ده مزور يا محمد! هي كانت ناوية توريولك الصبح وتطردني وتخلي سليم معاها هي، هي كانت عايزة تدمرنا تماماً عشان تسيطر على كل حاجة!”
قمت وقفت، رحت لأوضة الضيوف اللي كانت أمي قاعدة فيها. كسرت قفل الخزنة الصغيرة اللي كانت جايباها معاها. قلبت في الورق لحد ما لقيت التحليل.
فعلاً.. تحليل رسمي من معمل مشهور، بيقول إن الاحتمالية 0%.
بس تحت التحليل ده، لقيت ظرف صغير مقفول، مكتوب عليه “إلى ابني محمد.. يفتح بعد رحيلي”.


