
سادت حالة من الصمت داخل البيت.
كل العيون اتجهت ناحية ليلى.
هي نفسها اتراجعت خطوة وقالت بسرعة:
“بصوا لي… أنا ماليش دعوة!”
لكن ندى ما ردتش عليها، كانت بتبص للمحامي.
وقالت: “مين الشخص اللي دخل غرفة الحفظ؟”
المحامي فتح الملف، وقلب في الأوراق.
وقال: “الاسم موجود هنا… لكنه مش اسم ليلى.”
تنفسنا كلنا براحة بسيطة.
ثم أكمل: “الاسم… محمود.”
اتجمدت مكاني.
“محمود؟”
بصيت له باستغراب.
“حضرتك تقصد مين؟”
المحامي بص للورقة مرة تانية وقال:
“الأستاذ محمود… وهو اسم حضرتك.”
البيت كله سكت.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قلت: “أنا؟! أنا عمري ما دخلت أي خزينة ولا أعرف حتى مكانها!”
ندى قامت بسرعة وقالت: “أكيد فيه خطأ.”
لكن المحامي أشار للورقة.
“أنا متأكد إن فيه خطأ… لكن السجلات بتقول إن بطاقة هوية باسم الأستاذ محمود استخدمت للدخول.”
ملك قربت مني وقالت: “يا جدو، حد ممكن يكون استخدم بياناتك.”
كنت بحاول أفتكر.
وفجأة…
رجعت لذهني حاجة حصلت من أيام.
من أسبوع تقريبًا، جه حد للبيت وقال إنه موظف من جمعية خيرية، وطلب صورة من بطاقتي علشان يعمل ملف خاص بالدار اللي كان الأستاذ فؤاد ناوي يعملها.
قلت وقتها إن الموضوع بسيط.
لكن دلوقتي…
بدأت الصورة توضح
تتجمع.
قلت بصوت منخفض:
“حد خد صورة بطاقتي.”
المحامي سأل بسرعة: “مين الشخص ده؟”
حاولت أفتكر ملامحه.
“راجل في الأربعينات… كان لابس بدلة… وقال إن اسمه سامح.”
أول ما قلت الاسم…
ليلى شهقت.
كلنا بصينا لها.
ندى سألتها: “إنتِ تعرفيه؟”
ليلى سكتت.
ثم قالت: “سامح كان قريب من فؤاد.”
المحامي قرب منها: “قريب إزاي؟”
ليلى بدأت تتردد.
“كان… مساعده.”
“بس؟”
نظرت للأرض.
“لا.”
ساد الصمت.
قلت: “قولي الحقيقة يا ليلى.”
رفعت عينيها، وقالت:
“سامح كان الشخص اللي ماسك كل أوراق فؤاد في آخر فترة من حياته.”
منة قالت: “يعني كان عنده فرصة يغير أي حاجة.”
المحامي هز رأسه: “وده يفسر كتير.”
لكن ندى لم تكن تنظر للمحامي…
كانت تنظر لأمها.
وقالت: “في حاجة تانية مخبياها، صح؟”
ليلى أغمضت عينيها.
وبعد لحظات قالت:
“في يوم قبل وفاة فؤاد بأسبوع… اتصل بيا وقال لي إن فيه شخص بيحاول ياخد الوصية.”
سألها المحامي بسرعة: “ولماذا لم تقولي هذا من البداية؟”
ردت بصوت مكسور: “لأني كنت خايفة.”
“خايفة من مين؟”
نظرت ليلى ناحية الباب…
ثم قالت الجملة التي جعلتنا جميعًا نشعر بالقلق:
“خايفة من الشخص اللي كان واقف جنبنا طول الوقت… والشخص اللي كنت فاكرة إنه سافر من سنين.”
في نفس اللحظة…
انقطعت الكهرباء في البيت فجأة.
وسمعنا صوت خبطة قوية على الباب الخارجي.
ثم صوت رجل من الخارج يقول:
“ليلى… عارفة إنك جوه.”
تجمدت ليلى.
أما أنا فشعرت لأول مرة أن الماضي الذي هربت منه بنتي عشرين سنة…
رجع يقف أمام باب بيتنا.
وقفت البنات الثلاثة جنب بعض، وأنا حسيت إن البيت كله بقى أضيق من قبل.
صوت الخبط على الباب كان بيزيد.
“ليلى… افتحي.”
ليلى كانت واقفة مكانها، وشها شاحب.
ندى قربت منها وقالت: “مين ده؟”
لكن ليلى ما ردتش.
ملك بصوت غاضب قالت:
كل مرة نفس الحكاية… أسرار وخوف وسكوت. إمتى هنعرف الحقيقة كاملة؟”
قبل ما ليلى تجاوب، المحامي أشار لنا بإيده وقال:
“محدش يفتح الباب قبل ما نعرف مين الشخص ده.”
بعد ثواني، سمعنا صوت الراجل تاني:
“أنا عارف إن المحامي موجود… وعارف إنكم عرفتوا موضوع الوصية.”
بص المحامي ناحية الباب باستغراب.
“إزاي عرف؟”
الراجل كمل:
“ولو عايزين تعرفوا الحقيقة… افتحوا.”
ليلى همست: “سامح…”
الاسم وقع في المكان زي الصدمة.
ندى بصتلها: “هو سامح؟”
ليلى هزت رأسها ببطء: “أيوه.”
المحامي مسك هاتفه واتصل بشخص ما، ثم قال:
“أنا هفتح، لكن خليكم بعيد.”
فتح الباب بحذر…
وكان واقف رجل في الخمسينات، ملامحه هادئة، لكن عينيه كان فيها توتر واضح.
نظر لليلى مباشرة وقال: “اتأخرتي قوي يا ليلى.”
ردت بغضب: “إنت اللي رجعت بعد كل السنين دي؟”
ابتسم ابتسامة هادية: “أنا ما رجعتش… أنا كنت موجود طول الوقت.”
الجملة خلتنا كلنا نبص له.
ندى سألت: “يعني إيه موجود طول الوقت؟”
دخل خطوتين وقال:
“يعني إن الحكاية اللي أمكم حكتها لكم ناقصة.”
ليلى صاحت: “ما تصدقوش أي كلمة منه!”
سامح رد بهدوء: “غريبة… بعد عشرين سنة لسه بتخافي من الحقيقة.”
المحامي وقف بينهما وقال: “قبل ما أي حد يتكلم، لازم أعرف… أنت مين بالضبط؟”
أخرج سامح ورقة من جيبه.
“أنا كنت المسؤول عن حسابات الأستاذ فؤاد.”
ثم نظر إلى البنات.




