
مكنتش فارق معايا فلوسه.
كنت كل ما أشوفه أفتكر ليلة واحدة
اللي سابني فيها لوحدي.
فضل يحاول يكلمني.
وأنا أهرب.
لحد ما في ليلة استناني في الباركينج.
كان ماسك كوبايتي قهوة.
ابتسم وقال
لسه بتشربيها سادة من غير سكر؟
بصيت للكوباية.
فعلاً صح.
أخدتها منه وقلت
إنك فاكر ده مش معناه إنك فاكر كل حاجة.
قال وهو مطأطئ راسه
عارف.
قعدنا نتكلم لأول مرة من سنين.
حكالي إنه ندم.
وإنه انفصل من زمان.
وإنه كل ما نجح أكتر، كان بيحس إنه خسر أغلى حاجة في حياته.
لكن ولا مرة حاول يبرر اللي عمله.
وده يمكن أول حاجة خلتني أسمعه.
كل يوم كان يقرب خطوة.
وكل يوم كنت أحس إن السر اللي مخبياه بقى أتقل.
لحد ما قررت
إنه لازم يعرف.
قابلته في استراحة المستشفى.
وقلتله
هقولك حاجة ومش عايزاك تقاطعني.
فضل ساكت.
وحكيتله كل حاجة.
عن اختبار الحمل.
وعن الولادة.
وعن الليالي اللي كنت بذاكر فيها وأنا شايلة بنت رضيعة.
وعن كل عيد ميلاد حضرته لوحدي.
وفي الآخر قلت
اسمها ملك وعندها سبع سنين.
وشه كله اتغير.
همس بصوت مكسور
يعني دي بنتي؟
هزيت راسي.
قعد مكانه وهو مش قادر يتكلم.
وبعدين قال
أنا ضيعت أول كلمة أول خطوة أول عيد ميلاد
قلت
أيوه.
رفع عينه وبصلي وقال
ممكن أشوفها؟
رديت بهدوء
القرار ده مش قراري لوحدي هي كمان ليها حق تختار.
وقبل ما يرد
طلع صوت إنذار عالي من أوضة والده.
الدكاترة جريوا ناحية الغرفة.
ولما دخلنا
لقينا والده فاق من الغيبوبة للحظات، وكان بيحاول يتكلم بالعافية.
قال وهو بيبص ناحية أحمد
هاتوا البنت بسرعة قبل ما عمتها توصل للملف.
أحمد اتجمد.
وأنا اتسمرت مكاني.
لأن اسم عمته كان نفس الاسم اللي أمي كانت بتردده قبل ما تموت، وهي بتوصيني طول عمرها
لو قابلتي واحدة اسمها ريهام السيوفي اهربي ببنتك فورًا، ومتقوليش لحد إنها بنت أحمد.
وقفت الكلمات في حقيقي، وحسيت كأن الصدمة شلت أركان الغرفة. صوت أجهزة القلب كان ينبض بإيقاع متسارع، والدكاترة والممرضين يحيطون بالسرير، لكن الصوت الوحيد الذي كان يرن في أذني هو كلمة والد أحمد الأخيرة… واسم ريهام السيوفي الذي ظل مطروداً في ذاكرتي لسنوات ككابوس طفولة لم أفهمه يوماً.
أحمد كان واقفاً كالتمثال المصدوم، عيونه متسعة بذهول ينظر لأبيه الذي أغمض عينيه مجدداً ودخل في حالة غيبوبة عميقة بعد أن ألقى قنبلته الأخيرة. قرب أحمد من السرير وهو بيترعش، مسك إيد أبوه الشاحبة وقال بصوت مبحوح ومكسور
بابا! بابا فتح عينك! ملف إيه؟! وريهام مالها ومال ملك؟! بابا رد عليا!
الدكتور الاستشاري حط إيده على كتف أحمد بهدوء وقال له
أستاذ أحمد، لو سمحت اخرج بره دلوقتي. ضربات القلب مش منتظمة والضغط نزل فجأة، لازم نعمل إنعاش ومحتاجين مساحة.
سحبت أحمد من دراعه بالعافية وخرجنا لصالة الرعاية المركزة. كانت يديه باردتين زي الثلج، وعينيه التائهتان تنظران إليّ بذهول وتخبط
مريم… أنتِ سمعتي بابا قال إيه؟! ريهام عمتي؟! هي عمتي تعرف حاجة عن ملك؟! وأمك… أمك الله يرحمها كانت تعرف عيلتي منين أصلاً عشان تقولك اهربي ببنتك منها?!
أنا كنت بقف في نص الصالة، ورجليا مش شايلاني. سحبت نفس عميق محمل برائحة المظهرات الطبية، وطلعت موبايلي بإيد بتترعش
اتصلت بصديقتي وأختي اللي كانت قاعدة مع ملك بنتي في الشقة.
ألو يا هدى… ملك كويسة؟
ردت هدى بصوت هادي
أه يا مريم، ملك نامت من ساعة بعد ما قرت القصة بتاعتها… فيه حاجة يا مريم؟ صوتك مش مظبوط.
قلت لها بحزم شديد
اقفلي الباب بالمفتاح يا هدى، وما تفتحيش لأي حد مهما كان… أنا جاية حالاً.
التفت لأحمد وقلت له بصوت ثابت لكنه مليان بمرارة السنين
أحمد… الحقيقة اللي استخبت 8 سنين مش بس إن عندي بنت منك. الحقيقة إن السفرية اللي أنت سافرتها القاهرة زمان، والصفقة اللي عملتها عشان تبقى راجل أعمال بالمليارات، كانت مسبوقة بدموع وأسرار أمي دفنتها معاها تحت التراب.
أحمد بصلي بذهول وقال
أنا مش فاهم حاجة يا مريم! أنا لما سافرت القاهرة زمان، عمتي ريهام هي اللي فتحتلي أبواب الشركات، وهي اللي عرفتني على رجال الأعمال، وهي اللي اقترحت عليا أتجوز بنت صاحب الشركة عشان نكبر الاستثمارات! أنا مكنتش اعرف إن فيه أي صلة بين عيلتي وبينك قبل ما أنزل أشتغل ممرض متدرب في المستشفى القديمة!
قلت له بنبرة حادة وباردة
عمتك ريهام… هي السبب في إن أمي عاشت طول عمرها مستخبية ومريضة ومفلسة يا أحمد.
فتح الملف المجهول
أخذت أحمد وركبنا عربيته، واتجهنا فوراً لشقتي.
طوال الطريق، كان الصمت يسود السيارة، باستثناء صوت إشارات المرور وزخات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط على الزجاج، مترافقة مع ذكريات ليلة سفره القديمة.
دخلنا الشقة بهدوء. هدى استقبلتنا باستغراب وهي شايفاني داخلة ومعايا أحمد السيوفي، رجل الأعمال الشهير اللي صورته في المجلات والجرائد. شاغرت لها بهدوء إنها تقدر تمشي، ودخلت أوضة ملك… كانت نايمة زي الملاك، شعرها المترتب على الوسادة ووجهها البريء الذي يحمل نفس تفاصيل تقاطيع أحمد، بنفس رسمة العينين والعناد الصغير عند الذقن.
أحمد وقف عند الباب… لم يدخل الأوضة. بصر بذهول ودموعه نزلت بغير سيطرة. حط كفه على فمه عشان ما يطلعش منه صوت بكاء، ووقف يتأمل بنته لأول مرة في حياته.
دي… دي ملك؟ همس بها كأنه خائف لو نطق بالصوت العالي أن يختفي المشهد كالحلم.
هزيت رأسي بهدوء، ورجعت قفلت الباب ببطء، واتجهت للدولاب القديم في أوضتي. طلعت منه صندوق خشب صغير مقفول بقفل قديم، حطيته على الترابيزة قدام أحمد في الصالة.
طلعت مفتاح صغير من السلسلة اللي في رقبتي وفتحت الصندوق.
جوا الصندوق، كان فيه مذكرات أمي القديمة، مع أوراق ملكية ملغاة، وصورة قديمة جداً يظهر فيها رجل شاب ورائحة الزمن الجميل تخرج من أطرافها… وبجانبه امرأة شبيهة جداً بأحمد، وتحت الصورة مكتوب بخط يد أمي المهندس عبد العزيز السيوفي وريهام السيوفي 1995.
أحمد مسك الصورة بإيد بتترعش
ده بابا… وهذه عمتي ريهام وهما شباب! الصورة دي بتعمل إيه هنا؟!
فتحت الصفحات الأخيرة من مذكرات أمي وقريت له السطور اللي كانت كاتباها قبل وفاتها بشهرين
لو بنتي مريم قرت الكلام ده بعد موتي… لازم تعرف إن جدهم عبد العزيز السيوفي كان شريك والدي في شركة مقاولات صغيرة في بداية التسعينات. عمتهم ريهام استغلت مرض والدي وحاجته للمال، وزورت توقيعات وشيكات طردت بموجبها عيلتنا كلها للشارع وصادرت أموالنا وحولت الشركة بأوراق مزيفة لملك عائلة السيوفي بالكامل! ولما حاولت أطالب بحقنا، هددتني بريهام وأجبرتني أهرب بطفلتي للريف وأغير اسمي، عشان ما أطالبش بحقي في التركة… وإذا في يوم قابلتي حد من العيلة دي يا مريم، اهربي ببنتك فوراً، ريهام السيوفي ما عندهاش قلب وممكن تاخد أي طفل عشان تضمن إن الورث والأصول ما تخرجش بره إيدها.




