روايات وقصص

سر الشقة القديمه يكشف الحقيقة والمفاجأة..

مئة في المئة يا أحمد. ده مش تشابه، ده نفس الشقة بالظبط.
سكت، راح يشوف الشباك، يلعب في أصابعه، مش عارف يقول إيه. سألته تاني، بصوت بدأ يعلو
إنت قلتلي إن الشقة دي كانت ملك أبوك عبد العزيز، وإنك اشتريتها منه بفلوسك اللي جمعتها، صح؟
أيوه، ده اللي صار.
أمال أمي اشترتها قبل كده بعشرين سنة إزاي؟ وإن كانت اشترتها، ليه ما كانتش عايشة فيها؟ وليمين راحت ملك أبوك
من غير ما حد يعرف؟
فجأة رن تليفون حماتي زينب. مش عارفة ليه، لكن قلبي قفز، وعرفت إنها عارفة كل حاجة. رديت عليها مباشرة، من غير سلام ولا كلام زائد
لقيت عقد الشقة القديم يا طنط زينب. عقد قديم، قبل عشرين سنة.
سكتت، ثواني طويلة مسموع فيها نفسها بس، وكأنها بتتفكر هل تعترف ولا لا. ثم سألتني بصوت متردد
عقد إيه بالظبط؟ مش فاهمة تقصدين إيه يا بنتي.
قلت بوضوح، ومش عايزة ألعب بالكلام
العقد اللي باسم أمي سمية. العنوان نفس شقتي بالظبط.
قفلت المكالمة في وشي، من غير ما تقول كلمة تانية. بعد أقل من نصف ساعة كانت عندنا. دخلت لأول مرة من غير سلام، من غير ما تطرق الباب، وجهها عابس، وعيناها بتدور في الشقة كأنها بتشوفها لأول مرة بغير ما كانت تعرفها. خدت العقد من إيدي بسرعة،

وبصت لتوقيع أمي، وقرأت الاسم والتاريخ بصوت منخفض، ثم قالت لجوزي بلهجة لوم وڠضب
أنا قلت لأبوك ېحرق الورق ده من زمان، قلت له ده هيجيب لنا مشاكل، لكنه كان عنيد ومش بيسمع كلام حد.
بصيتلها پصدمة، قلبي كان بيدق لحد ما كنت أسمعه في وداني
يعني إنتِ عارفة؟ عارفة كل ده من زمان؟
قعدت على الكرسي القريب، ويديها على ركبتيها، وبدت كأنها كبرت عشر سنين في دقائق. وقالت بصوت ثقيل ومتردد
أمك ما كانتش بترفض تدخل البيت لأنها مش مرتاحة فيه يا بنتي. السبب كان أعمق وأقوى من كده بكتير.
أمال ليه؟ ليه كانت ترفضه بكل إصرار؟
رفعت عينيها ناحية طرقة الشقة، وبالتحديد ناحية أوضة بنتي نور، الباب اللي كان مفتوح شوية وشوية نرى فراشها وألعابها. قالت ببطء وكأن كل كلمة بتكلفها جهد
لأن الأوضة دي كانت أوضتها هي. أوضة عرسها، أوضة حياتها اللي كانت بتتمناها، أوضة كل أحلامها اللي اتكسرت جواها.
حسيت جسمي كله ساقع، دمي بقي بارد، ومش عارفة أتحرك ولا أتكلم. جوزي صړخ فجأة، واقف ومش عارف يروح فين
ماما، كفاية! قلتلك من قبل ما تفتحيش الموضوع ده، ده هيدمر كل حاجة!
لكنها كملت، مش بتسمع له، وكأنها كانت بتستنى الفرصة دي من سنين تفرج عن اللي في قلبها
من

20 سنة، أمك خرجت من الشقة دي في نص الليل وحلفت إنها عمرها ما ترجع لده البيت ولا تضحك في أي حاجة تخصه. خرجت وهي مکسورة، ومحدش كان يعرف أين تروح ولا إيه صار لها إلا بعد سنين.
سألتها بصوت متهدج
ليه؟ ليه خرجت؟ وإيه اللي صار بالظبط؟
حماتي بصت لجوزي نظرة عتاب، ثم قالت لي وهي بتشاور عليه
اسألي جوزك أبوه ماټ فين فعلًا، وإيه اللي كان بينه وبين أمك قبل ما يجي يخطبك من بيتها.
جوزي وقف فجأة، وجهه احمر، وبدأ يتنفس بسرعة، لكن في اللحظة دي بنتي نور خرجت من أوضتها، ماسكة صندوق خشب صغير بنقوش قديمة، وشعرها متفكك، وقالت بصوتها الناعم اللي دايماً بيريحني لكنه دلوقتي زاد ۏجعي
ماما أنا لقيت ده تحت لوح مفكوك في أرضية أوضتي، كان مخبي جوا حفرة صغيرة، وشكله قديم أوي.
أخدت الصندوق من إيديها، ويدي كانت ترتجف أكتر من أول مرة. كان عليه اسم أمي محفور بخط واضح سمية، وتحته جملة صغيرة محفورة بعمق لو بنتي سكنت هنا يومًا يبقى هما كذبوا عليها زي ما كذبوا عليّ.
رفعت عيني ناحية حماتي، لكنها كانت بتتراجع ناحية الباب، وجهها ممتقع، وتقول بصوت متقطع
أنا ماليش دعوة جوزي هو اللي عمل كل حاجة، أنا كنت مجبرة أتكتم، مكنتش أقدر أعمل حاجة قدامه.

عبد العزيز هو اللي خطط
لكل ده من

أوله لآخره.
فتحت الصندوق ببطء، قلبي كان بيقطع، وكل ثانية كانت بتزيد الخۏف جوايا. وأول حاجة شفتها جواه كانت صورة قديمة لأمي، وهي شابة، في أوائل العشرينات، وجهها مشرق وعيناها بتضحك، واقفة في نفس صالة بيتي بالظبط، نفس الورق على الحيط، نفس الشباك اللي بيشرف على الحديقة القديمة، ونفس الأريكة اللي كنت قاعدة عليها دلوقتي. وبجوارها أبو جوزي عبد العزيز، وهو شاب كمان، ويده على كتفها، وكلاهما مبتسم. لكن اللي خلاني أفقد القدرة على الكلام والتنفس إن أمي كانت لابسة فستان فرح أبيض، ومسكة في يدها بوكيه ورد أبيض، وقلادة في عنقها كانت هدية مني لما كنت في الثانوية، قالت لي إنها هدية من صديقة عزيزة.
وقعت الصورة من يدي، وبدأت أخرج باقي محتويات الصندوق خطابات مكتوبة بخط أمي، وصل دفع مبلغ كامل لشراء الشقة، ورقة عقد زواج قديمة، ومذكرة مكتوبة بخطها بسرعة كأنها بتكتبها وهي مستعجلة
اليوم كتبت عقدي مع عبد العزيز، حبيبي اللي وعدني بحياة سعيدة. اشترى لي الشقة دي بفلوسي اللي كنت جمعتها من عمل السنين، قال لي هنبقى ملكها سوا، هنعيش فيها أحلى أيام. بس ليه قلبي حاسس إن فيه حاجة غلط؟ ليه ما بيعرفنيش على أهله؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى