روايات وقصص

أغلى غسلة مواعين في تاريخ الجواز..

– الجدعنة مش بس إنك تعمل الحاجة، الجدعنة إنك تتسلمها وتصونها يا بني.. أهو إنت كده عرفت قيمة البرطمان ده من ساعة ما كان لبن في الضرة لغاية ما بقى سمنة مقدوشة!

خلصت غسيل وتنشيف البرطمانات، وجابوا حلة السمنة الدافية اللي باتت طول الليل تسقع وتظبط.. مسكت المغرفة الكبيرة، وبدأت أصب بالراحة وبحذر شديد في البرطمانات الفخار.. نقطة واحدة تقع خارج البرطمان كانت بتقابلها شهقة جماعية من العيلة كلها وكأني دايس على لغم!

وبعد ساعة من التركيز الشديد اللي يعادل تركيز جراح في عملية قلب مفتوح، اتقفلت البرطمانات واتغطت بالقماش الأبيض المربوط بالدوبارة.. وبقت مصفوفة قدامي زي السبائك الدهبية.

اتنفست الصعداء، ومسحت العرق من على وشي وقلت بانتصار:

– بس! كده السمنة اتسيحت، واتصبت، واتشالت في البرطمانات بعرق جبيني ومجهودي.. أظن كده الحساب بيصفى؟

خالها مسك البرطمانات وحطها في كراتين مقواة، وحطها في شنطة عربيتي بمنتهى الحرص وكأنها شحنة يورانيوم مشحونة..

ورجعت لمراتي وقلت لها وأنا بضحك بقلة حيلة:

– ها يا ستي؟ رضيتي عني؟ نرجع بقى القاهر ونقفل الصفحة دي خالص؟

مراتي بصتلي، ولأول مرة من أسبوع تقرب مني وتطبيل على كتفي بحنية وقالت:

– بصراحة يا حبيبي إنت أثبت إنك جدع واستحملت كتير.. يلا بينا نرجع.

سلمنا على العيلة كلها، والجدة دعتلي دعوة حلوة وأداتني حتة فطيرة مشلتتة في إيدي للسكّة، وركبنا العربية وأنا حاسس إني بطل قومي راجع من جبهة القتال بعد ما أديت واجبي وزيادة!

طول الطريق وأنا ببتسم وببص للكراتين في الكنبة الورانية وأقول لنفسي: “أخيراً.. الكابوس انتهى والبيت هيرجع هادي زي زمان!”

وصلنا الشقة بالليل.. شلت الكراتين بنفسي وطلعت بيها وأنا خايف عليها أكتر من عينيا.. حطينا البرطمانات جوه المطبخ على الرخامة بسلام، ومراتي دخلت تغير هدومها وتستريح.

دخلت أنا أخد دوش دافي يشيل تعب وأثر الزريبة والسفر.. خرجت وأنا حاسس إني إنسان جديد.. مشيت ناحية المطبخ عشان أعمل كوبايتين شاي ونقعد نحتفل بالنصر، أول ما دخلت المطبخ وبصيت على الرخامة… اتجمدت في مكاني والدم اتجمد في عروقي!

بصيت للرخامة، ولقيت البرطمانات الفخار اختفت!

مكانها كان فيه أربعة برطمانات زجاجية شفافة، متقفلين بإنشاط بلاستيك، ومحطوطين بالمسطرة.. وعلى الرخامة جنبه أكياس الفخار اللي كانت ملفوفة فيها السمنة مرمية في السلة!

طلعت يجري على الصالة وأنا بصرخ بصوت مكتوم ومش قادر أتنفس:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى