
“مش مامتنا إزاي؟ إنتي مامي داليا! الشامة اللي في رقبتك دي.. والعلامة اللي في إيدك.. إنتي مامتنا!”
بصيت لرقبتي وإيدي.. فعلاً كلامه صح. بس إزاي مش حاسة بيهم؟ إزاي الأمومة اللي بيقولوا عليها غريزة مش قادرة تخليني آخدهم في حضني وأفتكر؟ الوجع اللي في عيون الأطفال دي كان يقطع القلب، بس الإحساس بالغرب الغريب كان أقوى. وقفت ورجعت لورا، والأطفال بدأوا يعيطوا بصوت عالي ويجروا ورايا.. وأنا لثاني مرة، أهرب من حقيقتي.
الجزء الثالث: فك الشفرة
ليل الشارع بدأ يليل، والبرد بدأ ينخر في عضمي. مشيت لحد ما لقيت نفسي قدام بيت قديم، بابه موارب. في حاجة جوايا شدتني أدخل. البيت كان ضلمة، بس كان فيه ريحة مألوفة.. ريحة تراب وورد مجفف.
مشيت بحذر وسط الصالة. لقيت ترابيزة عليها برواز مقلوب. مشيت بخطوات تقيلة، إيدي كانت بتترعش وأنا برفع البرواز.
أول ما عيني جت على الصورة.. النفس اتكتم في صدري.
دي صورتي.. وأنا لابسة فستان أبيض، وجنبي راجل بيضحك من قلبه، وفي حضننا نفس الطفلين اللي قابلتهم في الشارع. هبة كمان كانت واقفة ورايا في الصورة وبتضحك.
في اللحظة دي، وكأن سد في دماغي انفجر.
شريط ذكريات سريع جداً وعنيف بدأ يمر قدام عيني.. صوت حادثة عربية، صوت فرامل مرعب، صراخ، وبعدها ضلمة.. أنا افتكرت!
أنا داليا. الراجل ده جوزي اللي مات في الحادثة دي، والصدمة من موته وموت جوزي قدام عيني هي اللي خلت عقلي يقفل ويعمل “بلوك” لكل حاجة عشان يحميني من الوجع. الأطفال دول ولادي.. حتة مني ومن الراجل اللي راح. وهبة دي فعلاً صاحبة عمري اللي كانت بتساعدني أعدي الأزمة.
الجزء الرابع: العودة للروح
الدموع نزلت من عيني مش خوف المرة دي، دي كانت دموع حقيقة بتغسل كل الفراغ اللي فات. أنا عرفت أنا مين.. وعرفت أنا هربت من إيه. الوجع كان فظيع، بس الشوق لولادي كان أفظع.
طلعت أجري من البيت، بس المرة دي مش هربانة.. المرة دي بجري عشان أرجع. رحت لنفس المكان اللي سبت فيه الأطفال. لقيت هبة واقفة معاهم، لمتهم حواليها وبيعيطوا، وهي بتبص يمين وشمال بتدور عليا واليأس مالي وشها.
مشيت خطوتين.. تلاتة.. وصوتى طلع مخنوق بالدموع بس مليان يقين:
“سليم.. فريدة..”
الأطفال رفعوا راسهم بسرعة. هبة لفت وبصتلي.
أنا مفكرتش.. رميت نفسي على الأرض وأخدتهم في حضني. المرة دي الحضن كان حقيقي، كنت بـشم ريحتهم وأنا بعيط وبقول:
“أنا مامتكم.. أنا داليا.. سامحوني يا حبايب قلبي، أنا افتكرت.. أنا رجعتلكم.”
هبة نزلت على ركبها وحضنتنا إحنا الثلاثة وهي بتبكي وتقول: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله يا داليا.”
في وسط الحضن ده، وسط دموع الوجع على اللي راح، والـفرحة باللي رجع.. حسيت إن الذاكرة مش مجرد أسماء وصور في الدماغ. الذاكرة الحقيقية هي الناس اللي بنحبهم.. والقلب عمره ما بيفقد الذاكرة، حتى لو العقل تاه.
النهاية




