روايات وقصص

بعد الطلاق شافني طليقي

بعد الطلاق، شافني طليقي على غلاف مجلة… وعينيه احمرّت من الصدمة!

كان جوزي سكران.

استغليت إن نظراته كانت تايهة وسألته:

— لو كان في فرصة تانية… كنت هتتجوزني من جديد؟

كان مسنود على كرسي السفرة، رابطة عنقه مفكوكة شوية، وكوباية المشروب ميلة بين صوابعه.

رد من غير ما يفكر:

— ماكنتش هتجوز.

ابتسمت بهدوء وسألته:

— أمال كنت هتتجوز مين؟

— ولا واحدة… كنت هعيش لوحدي.

— ليه؟

اتثاءب وقال ببرود:

— لأني أقدر أعيش كويس لوحدي. بعرف أطلب أكل وبعرف أشغّل الغسالة.

بصيتله وسألته:

— وتقدر تروح تجيب بنتنا من المدرسة؟

سكت ثانيتين…

وبعدها قال جملة عمري ما قدرت أنساها:

— الحاجة الوحيدة اللي لسه رابطاني بيكي إنك خلفتيلي بنتي. هي آخر رابط بينا، ولولاها ماكنتش حتى هفتكر اسم عيلتك.

نور الأباجورة كان مالي الصالة بإضاءة صفرا دافية.

وصوت التلاجة كان مسموع من المطبخ.

وطبق المانجا اللي كنت لسه مقطعاه بدأ لونه يتغير على ترابيزة الصالون.

فضلت باصة للمانجا فترة.

وبعدين قمت بهدوء، أخدت الطبق للمطبخ ورميته كله في الزبالة.

تاني يوم الصبح، خرج من أوضة النوم وهو بيدلّك دماغه وقال:

— أنا قلت كلام فارغ امبارح؟

كنت بعمل ضفيرة لبنتنا، فرديت من غير ما أبصله:

— لأ.

قال بارتياح:

— كويس.

ابتسم، أخد مفاتيح عربيته وخرج.

أول ما الباب اتقفل، الأستك اللي كنت بربط بيه شعر بنتي اتقطع بين صوابعي.

بصيت لإيدي…

كنت شاداه بقوة زيادة من غير ما أحس.

من اليوم ده ماجبتش سيرة الليلة دي تاني.

فضلت أطبخ.

وفضلت أروح أجيب بنتنا من المدرسة.

وفضلت أفكره إنه يقلل شرب…

لكن حاجة جوايا كانت اتغيرت.

زمان، لو اتأخر في الشغل للساعة حداشر، كنت ببعتله أسأله:

— هترجع تتعشى؟

دلوقتي بطّلت أسأل… زمان، لو ساب شراباته تحت الكنبة، كنت بتخانق معاه.

دلوقتي كنت باخدها وأرميها في الغسالة من غير كلمة.

كان باين عليه إنه بدأ يحس إن فيه حاجة مختلفة… أو يمكن ماخدش باله أصلًا.

في ليلة رجع قبل نص الليل بشوية.

نور الصالة كان لسه مفتوح، وبنتنا كانت نايمة.

وأنا كنت قاعدة على السفرة قدام اللابتوب.

سألني:

— إنتِ لسه مانمتيش ليه؟

— بصمم.

— بتصممي إيه؟

— واحدة صاحبتي رشحتني لمشروع صغير خاص بتوزيع المساحات.

قال:

— آه.

وبعدين دخل الحمام.

لما خرج، عدى من جنبي ولمح إشعار ظهر على الشاشة:

«تم استلام تحويل بقيمة 2300.»

وقف وسألني باستغراب:

— إنتِ فعلًا بدأتي تقبلي شغل؟

— أيوه.

— أخد منك وقت قد إيه؟

— تلات أيام.

كان بينشف شعره بالفوطة وهو بيقول:

— وإيه لازمتها؟ البيت ده مش محتاج المبلغ الصغير اللي إنتِ بتجيبيه.

ما رفعتش عيني من على الشاشة.

قلتله:

— بقالي وقت طويل مشتغلتش، ومش عايزة مهارتي تضيع.

الأسبوع اللي بعده، قبلت مشروع تاني.

خمسة آلاف.

وفي الأسبوع التالت، فندق صغير طلب مني تصميم الديكورات الداخلية بالكامل.

اتناشر ألف.

من وقتها، كنت كل يوم أوصل بنتنا المدرسة، وبعدها أروح أقعد في كافيه ومعايا اللابتوب، وأفضل أشتغل طول اليوم.

هو ماكنش يعرف.

كان لسه فاكرني نفس الست اللي قاعدة في البيت تتفرج على المسلسلات، وتستنى الأكل الجاهز، وتستناه يرجع.

بعد شهر، اشتريت لابتوب جديد مخصوص للتصميم والجرافيك.

أول ما شافه سألني:

— إنتِ جبتي ده إمتى؟

— الأسبوع اللي فات.

— بكام؟

— بأكتر من تسعة آلاف.

قطّب حواجبه وقال:

— جبتي الفلوس دي منين؟

— من شغلي.

ما ردش.

لكن تعبير وشه كان بيقول إنه مش مصدقني.

أو الأسوأ…

إنه شايف إن كلامي مش مهم أصلًا لدرجة إنه يصدقه.

في الشهر التاني، اشتركت في دورة متقدمة لتصميم المساحات.

المحاضرات كانت في عطلة نهاية الأسبوع.

كنت بخرج الساعة سبعة ونص الصبح، وأرجع سبعة بالليل.

وبنتنا كانت بتفضل معاه.

أول يوم اتصل بيا أربع مرات:

— بنتك عايزة تاكل سمك.

— مش راضية تنام الضهر.

— كبّت اللبن… الفوط فين؟

— إنتِ هترجعي الساعة كام بالظبط؟

الأسبوع التاني اتصل مرة واحدة بس:

— هترجعي إمتى؟

— الساعة سبعة.

— تمام.

وقفل.

في الأسبوع التالت ما اتصلش خالص.

لما رجعت، لقيت بنتنا بتتفرج على التابلت، وهو قاعد على الكنبة ماسك موبايله.

وفوق الترابيزة كان فيه تلات علب أكل جاهز.

بصلي وقال:

— إنتِ ليه بقيتي مش موجودة في البيت كل عطلة؟

— بدرس.

— بتدرسي إيه؟

— تصميم المساحات.

ساب الموبايل وقال:

— ما إنتِ درستي ده في الجامعة! هتدفعي فلوس علشان تتعلميه من جديد؟

كنت بغير جزمتي وأنا برد:

— الجامعة علمتني الأساسيات، لكن الأدوات والبرامج اللي السوق بيستخدمها اتغيرت أكتر من مرة.

قال باستخفاف:

— أنا مش شايف إن ده ضروري.

انحنيت أمسح إيد بنتنا وقلت بهدوء:

— لكن أنا شايفة إنه ضروري.

فضل باصص لظهري.

وأنا ما لفيتش ناحيته.

في الشهر التالت، المدرّب الرئيسي في الدورة راجع مشروعي وفضل يتأمله وقت طويل.

كان واحدًا من أكبر المتخصصين في مجال التصميم المعماري، وحاصلًا على جائزتين مهمتين.

بعد المحاضرة سألني:

— إنتِ اشتغلتي قبل كده في مشروعات حقيقية؟

— أيوه، اشتغلت لمدة سنتين بعد التخرج.

— وبعدين؟

— اتجوزت.

ما سألش أكتر… في اليوم اللي بعده، جه كلمني وقت الاستراحة.

— ممكن أتكلم معاكي؟

— طبعًا.

قال:

— عرضت اقتراحك الخاص بتوزيع المساحات في الفندق على مجموعة من زمايلي.

اتصدمت وسألته:

— بجد؟

رد:

— كلهم قالوا نفس الكلام… واحدة عندها إحساسك بالمساحات ماينفعش تفضل محبوسة في البيت.

مسكت الكوباية الورق بين إيديا بقوة.

فكمل كلامه:

— فيه مشروع كبير لتجديد شارع ثقافي قديم، والفريق الاستشاري محتاج ناس موهوبة. هل تحبي تنضمي لينا؟

في الليلة دي، لما رجعت البيت، كان جوزي قاعد بيتفرج على الماتش.

حطيت شنطتي، ودخلت المطبخ علشان أسخن العشا.

وأثناء ما طبق الأكل كان بيلف جوه الميكروويف، وقفت قدام الشباك وبصيت للّيل.

شفايفي ما اتحركتش… لكن جوايا، كان فيه شيء بدأ يصحى من جديد.

في اليوم التالي، بعتّ للمدرّب رسالة:

«أنا عايزة أحاول.»

رد عليّا بكلمتين:

«تعالي يوم الأربعاء.»

السابق1 من 9
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى