
دخل جوزي الشقة وهو ماسك إيد زوجته التانية… من غير ما يعرف إن أكتر من 30 واحد من أهله وأصحابه كانوا مستخبيين عشان يفاجئوه بحفلة كبيرة بمناسبة ترقيته. ولما النور اتفتح، وقف مكانه متجمد.
وأنا ما صرختش… وما عيطتش. حطيت التورتة اللي كنت عاملاها بإيدي على السفرة، وبصيت لحماتي. وساعتها هي قالت جملة واحدة عن الشقة… خلت لون وشه يتغير في ثانية.
— أنا خلاص مش عايز أكمل بالطريقة دي يا دينا… ودي زوجتي التانية، وأنا قررت أبدأ حياة جديدة. قالها جوزي، محمود، وإيده لسه في إيد الست اللي واقفة جنبه، بينما حوالي تلاتين شخص كانوا واقفين في الصالون، مصدومين ومش عارفين يقولوا إيه.
وفوق راسنا كان فيه بانر كبير مكتوب عليه: “ألف مبروك يا محمود… مبروك الترقية”.
قبلها بخمس ثواني بس، كنا كلنا مستخبيين ومستنيين لحظة دخوله. وأول ما فتح الباب، طلعنا كلنا مرة واحدة: — مفاجأة!
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لينا إحنا. لأن محمود دخل ومعاه زوجته التانية. قدام أمه. وقدام أهله. وقدام أصحابه. وقدامي أنا.
أنا كنت بقالي شهر كامل بجهز للحفلة دي. محمود كان بيجري ورا الترقية دي بقاله تسع سنين. وكان دايمًا يحكيلي عن أبوه الله يرحمه، وإنه طول عمره كان بيقوله: “إنت لازم تتعب عشان تبني نفسك.” وعشان كده، لما محمود أخيرًا اترقى وبقى مدير إقليمي في الشركة اللي شغال فيها، فرحتله من قلبي.
قلت لازم نعمله حفلة تليق بيه. طلبت أكل يكفي كل الناس، وحجزت فرقة صغيرة تعزف أغاني قديمة، وطلبت تورتة كبيرة مخصوص. وكمان أقنعت أمه، الحاجة سعاد، إنها تيجي من المنصورة للقاهرة عشان تبقى موجودة في اليوم ده.
علاقتي بحماتي عمرها ما كانت قوية أوي، لكن كان بينا احترام. ومع ذلك، كنت عارفة إن وجودها هيفرق مع محمود جدًا.
اللي ما كنتش أعرفه… إن محمود كان مخبي قرار كبير عن الكل.
لما النور اتفتح، لقيته واقف قدامنا وشكله متوتر. والست اللي جنبه كانت رانيا، بنت عندها حوالي تمانية وعشرين سنة، شغالة معاه في نفس الشركة. أنا كنت شوفتها مرتين قبل كده في مناسبات تخص الشغل، وعمري ما تخيلت إنها بقت زوجته التانية.
أول واحدة اتكلمت كانت حماتي. بصت له وقالت: — إنت بتقول إيه يا محمود؟
محمود اتنهد وقال: — أنا اتجوزت رانيا من شهرين… وكنت ناوي أقولكم في الوقت المناسب.
الناس بصت لبعضها في صدمة، وأنا قلت: — يعني إيه؟!
رد بهدوء: — أنا شايف إن حياتي لازم تتغير… وقررت أبدأ مرحلة جديدة.
بصيت حواليّا. على الزينة. على الأكل. على التورتة. وعلى تسع سنين من عمري.
وفجأة عيني وقعت على شنطة سفر كبيرة جنب الباب. ساعتها فهمت إن محمود كان مرتب كل حاجة، وكان ناوي يخرج من البيت الليلة دي.
قلت له:
— أنا عملتلك حفلة وجبت أهلك وفرحت بنجاحك… ودي كانت خطتك؟
محمود قال: — يا دينا… أنا تعبت من المشاكل والضغوط، وحسيت إني محتاج أعيش بشكل مختلف.
رانيا كانت واقفة جنبه ساكتة، والناس كلها مش عارفة تقول إيه. وفي اللحظة دي، حماتي اتحركت. وقفت قدام محمود وقالت بصوت هادي: — خلاص… لو ده قرارك، امشي.
محمود شد الشنطة وقال: — هاجي بكرة أخد باقي حاجتي. وبص حوالين الشقة وقال: — وبعدين دي شقتي برضه.
هنا رفعت الحاجة سعاد عينيها عليه وقالت: — لأ يا محمود… الشقة دي عمرها ما كانت شقتك.
الصمت نزل على المكان كله، ومحمود اتفاجئ: — يعني إيه؟
الحاجة سعاد طلعت ظرف قديم من شنطتها وقالت: — أبوك قبل ما يتوفى اشترى الشقة دي.
محمود قال بسرعة: — أيوه… وأنا اللي كنت بدفع الأقساط.
قالت: — لكن الشقة ما كانتش باسمك. — أمال باسم مين؟ بصتلي وقالت: — باسم دينا.
أنا اتصدمت، ومحمود اتجمد مكانه.
الحاجة سعاد كملت: — أبوك كان شايف إن دينا وقفت جنبك في أصعب سنين حياتك، وعشان كده كتب الشقة باسمها من يوم الجواز. وبعدين طلعت ورقة تانية: — وفي وصية كمان.
محمود فتحها، وكان مكتوب فيها: “إذا حدث خلاف أو انفصال، تظل الشقة ملكًا كاملاً لدينا، ولا يحق لمحمود التصرف فيها.”
محمود قعد على الكرسي وهو مش مصدق. أول مرة أشوفه ساكت بالشكل ده.
وبعدين حماتي قالت: — أبوك كان بيقول إن الإنسان ممكن ينجح في شغله… لكن النجاح الحقيقي إنه يحافظ على بيته وأهله.
رانيا بصت لمحمود وقالت: — يلا نمشي.
لكن محمود ما اتحركش. كان باصص حوالين المكان. للزينة. للناس. وللتورتة اللي كنت عاملاها بإيدي. كأنه لأول مرة يشوف كل حاجة.
بعد شوية، قام بهدوء وقال: — أنا محتاج أمشي دلوقتي. وأخد شنطته وخرج.
وعدت شهور. خلالها محمود كان بيزور أمه، ويسأل عليا من بعيد. وبعد فترة طويلة، جه وقف قدام الباب وقال: — أنا مش جاي أطلب منك تنسي أي حاجة. سكت شوية: — أنا جاي أقول إن النجاح اللي كنت فاكره نجاح… ما كانش كامل.
بصيت له وسألته: — ورانيا؟
قال: — حياتها بقت في طريق، وأنا في طريق تاني.
وبعد وقت طويل، كل واحد اختار الحياة اللي تناسبه بهدوء واحترام.
أما أنا… ففضلت في الشقة. الشقة اللي اكتشفت إنها كانت باسمي من أول يوم. وأدركت إن قيمة الإنسان مش في البيت اللي بيسكنه… لكن في الناس اللي تعرف قيمته.
ومن يومها، كل ما الحاجة سعاد تزورني، كانت تبص للشقة وتضحك وتقول: — الحمد لله إن أبو محمود كان شايف المستقبل كويس.
وأنا كنت أبتسم. لأن الليلة اللي بدأت بمفاجأة كبيرة… انتهت بسر أكبر محدش كان يتوقعه.




