
كنت بصحى قبل جوزي بساعتين، أجهز له أكله، وأكوي هدومه، وأرتب له كل حاجة قبل ما ينزل شغله. وبعد ما أنزل أنا كمان شغلي، أفضل طول اليوم واقفة على رجلي، ولما أرجع البيت أطبخ وأنضف وأغسل، وأنا بالكاد قادرة أقف من التعب.
بس جوزي؟ كان طول اليوم يسمع كلام أمه عني. كل شوية تقوله: مراتك مبقتش مهتمة بيك زي الأول، لحد ما صدق فعلًا إني مقصرة معاه.
وفي يوم، جسمي خانني. وأنا في المطبخ، حسيت الدنيا بتلف بيا، وحاولت أتمسك بالرخامة لكن مقدرتش، وقعت من طولي على الأرض.
جوزي كان موجود، وشافني وأنا واقعة قدامه. كنت مستنية يساعدني ياخدني المستشفى حتى يسألني إيه اللي حصلي، لكنه مسك موبايله واتصل بأمه، وقال لها بكل برود: ماما، تعالي شوفي الهانم اللي بتتدلع دي عاملة نفسها تعبانة وموقعة في الأرض!
قفلت عيني وأنا مش مصدقة اللي سمعته. وبعد شوية، سمعت صوت أمه وهي داخلة البيت. كنت متوقعة إنها تيجي تزعقلي زي كل مرة، لكن أول ما شافتني مرمية على الأرض، وشافت وشي الشاحب وإيدي اللي كانت بتترعش… سكتت.
بصت لجوزي، وبعدين قالت له جملة واحدة… الجملة دي كانت كفيلة إنها تقلب حياته كلها في اللحظة دي.
قالت له (حكايات بسمة): إنت مش راجل يا طارق… والبيت ده خلاص مابقاش ليك فيه مكان!
طارت نبرة الاستهزاء المعتادة من صوت أمه الست فاطمة. وقف طارق مذهولاً، بيبص لأمه ومش فاهم، الموبايل في إيده كان لسه دافي من صدمة المكالمة اللي طلبها فيها عشان تأدبني.
أمي؟! إنتِ بتقولي إيه؟ دي بتتمارض عشان ما تعملش الأكل! قالها طارق بصوت هربت منه الشجاعة، بيحاول يستمر في التمثيلية اللي اتعود عليها.
لكن أمه قربت مني، نزلت على ركبها على أرضية المطبخ الباردة، وحطت إيدها على جبهتي اللي كانت متلجة وبينزل منها عرق سرد. بصت في عيني الشاحبة، وفي إيدي اللي كانت بتترعش ومش قادرة تمسك فستاني.
رفعَت راسها لطارق وقالت بصوت واطي بس مرعب زي الزلزال: الست دي بقالها تسعة أشهر بتشتغل شيفتين، بتمشي الفجر وترجع بعد العشا، شايلة مصاريفك وعلاجك والجمعيات اللي إنت غرقان فيها… وجاي تقولي بتتدلع؟! أنا كنت بقسّي قلبك عليها عشان تسترجل وتحس على دمك وتتحمل مسؤولية بيتك، مش عشان تمسخك وتبقى ندل وتشوفها بتموت قدامك وتتصل بيا تتفرج عليها!
غمضت عيني، والدموع نزلت حارة على خدودي. لأول مرة أصوات المطبخ تسكت، صخب الأواني، وصوت المروحة العطلانة، وصوت القهر اللي كان كاتم على نفسي طول سنتين جواز.
طارق حاول يقرب: يا أمي إنتِ فاهمة غلط… هي…
اخرس! صرخت فيه أمه وهي بتسندني بكل قوتها عشان تقومني: قسماً بالله لو ما طلبت الإسعاف حالاً، لأكون أنا أول واحدة رافعة عليك قضية في المحكمة وأتبرى منك ليوم الدين! البت جسمها بيسقط منك يا خايب!
في المستشفى، كانت الإضاءة النيون البيضاء حادة وبتقطع العين. ريحة المطهرات ملاية المكان، وأنا متمددة على السرير وبإيدي كانوليا المصل. الدكتور خرج من أوضة الكشف ووشه متجهم، وبص لطارق ولأمه اللي كانوا واقفين في الطرقة: زوج المدام فين؟
طارق خطى خطوة لقدام: أنا يا دكتور.
الدكتور بص له بقرف واضح: المدام عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، وأنيميا حادة وصل نسبتها ل 6، ناهيك عن الإرهاق العصبي الشديد والجفاف! إنتوا إزاي سايبينها شغالة بالمنظر ده؟! دي لو كانت اتأخرت ساعة كمان كانت جاتلها سكتة قلبية من كتر الإجهاد! المدام محتاجة راحة تامة، ومفيش حركة لمدة شهر على الأقل، ونقل دم حالاً!
طارق وشّه اسودّ. بص لأمه، وبعدين بص للدكتور وقال بصوت مبحوح: نقل دم؟ بس… بس دي مصاريف كبيرة أوي يا دكتور، وأنا…
حماتي فاطمة قطعت كلامه، وجابت شنطتها، طلعت منها غواشتين دهب كانت شايلاهم للزمن، وحطتهم في إيد الدكتور: اتفضل يا دكتور، بيع دول أو خليهم أمانة عندك، وادخل هاتها أنضف كيس دم وادويتها كلها… والبيت اللي يتسند على صحة ست ويترفض يصرف عليها لما تقع، ما يلزمناش!
طارق كان واقف زي الشبح. بيبص لأمه وهي بتتصرف راجل مكانه، بيبص لقلة حيلته ونذالته اللي انكشفت قدام الغريب قبل القريب.
بعد يومين في المستشفى، رجعت البيت. بس ما رجعتش نفس الست اللي خرجت منه. الست اللي كانت بتصحى الساعة 4 الصبح عشان تكوي القمصان وتحضر الفطار لراجل ما بيشوفش، ماتت على أرضية المطبخ.
دخلت الشقة وأنا سانده على عكاز خشب صغير. طارق كان قاعد على الترابيزة، قدامه علب سكاير فاضية وأطباق فيها بقايا أكل عفنت من يومين.
أول ما شافني، قام من مكانه بسرعة وجري عليا: منة… حمد الله على السلامة يا حبيبتي. أنا… أنا كنت خايف عليكِ والله، أمي فهمتني غلط، أنا بس اتخضيت لما شفتك واقعة وما عرفتش أتصرف…
بصيت له بمنتهى الهدوء. الهدوء ده كان أشبه بالجليد اللي بيغطي بركان.
فين الهدوم اللي كانت في الدولاب؟ سألته بصوت خافت بس ثابت.
طارق اتوتر: هدوم إيه؟
مشيت ببطء ناسية وجعي، فتحت باب أوضة النوم. لقيت شنطي كلها ملمومة ومحطوطة جنب الباب. التفتّ له وقلت: أنا لميت حاجتي قبل ما أقع بساعة يا طارق… كنت مستنية بس الموقف اللي يخليني أستوعب إن الأمل فيك كان وهم. والحمد لله، الموقف جه بدري.
طارق مسك إيدي بلهفة ودموعه بدأت تنزل: أرجوكِ يا منة! ما تعمليش كده! أنا عارف إني غلطت، وعارف إني اعتمدت عليكِ وسمعت كلام أمي كتير… بس والله اتعلمت الدرس! أمي نفسها طردتني من بيتها لما رحت لها البارح وقالتلي ما ترجعش غير وإنت راجل بجد!




