
كان صوته ضعيف، وبيتكلم وسط شهقاته:
جدو، أنا بتوجع… مش قادر أكمل خلاص!
وقفت مكاني، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
وبعد لحظات، سمعت صوت أبويا بيرد عليه:
أنا عارف يا بن، استحمل شوية كمان. لازم نخلّص الليلة دي قبل ما أمك توصل!
حطيت إيدي على بقي، وحاولت أمنع نفسي من الصراخ.
ابني بيتوجع، وجدو بيطلب منه يستحمل، وفيه حاجة لازم تخلص قبل ما أوصل!
طلعت موبايلي، وكنت خلاص هطلب المساعدة، لكن قبل ما أعمل أي حاجة، سمعت صوت حركة جاية من جوه البيت.
وبعدين صوت أبويا قال جملة خلتني أتراجع خطوة لورا:
خلاص يا بن، قربنا نرجّع كل حاجة زي ما كانت… بس أمك لازم تشوف بنفسها.
أرجّع كل حاجة زي ما كانت؟!
إيه الحاجة اللي اتغيرت؟ وليه ابني بيتألم بسببها؟ وإزاي أبويا ناوي يخليني أشوف حاجة أنا نفسي مش عارفة عنها أي شيء؟
رفعت إيدي وخبطت على الباب بكل قوتي.
الصوت اللي كان جوه سكت فجأة.
وبعد ثواني، سمعت خطوات أبويا بتقرب من الباب.
فتح لي، وأول ما شافني، اختفت الابتسامة من وشه تمامًا.
قلت له بصوت مرتعش:
ابني فين يا بابا؟ وإيه اللي إنت بتعمله فيه؟
أبويا ما ردش، لكنه وقف على جنب وفتح الباب أكتر.
دخلت بسرعة، وبصيت ناحية أوضة النوم.
لقيت بن قاعد على كرسي صغير، وقدامه ترابيزة عليها ورق ورسومات كتير، وعلى الأرض قطع خشب وأدوات صغيرة.
لكن الحاجة اللي شدت انتباهي فعلًا كانت مجسمًا خشبيًا لبيت كبير، شبه بيت قديم أعرفه كويس جدًا.
بيت طفولتي!
وعلى الحيطة، كانت فيه صورة لأمي الله يرحمها، وتحتها ورقة مكتوب عليها اسمي.
بصيت لأبويا بذهول وقلت:
إيه كل ده؟ وإيه علاقة بن بالبيت ده؟
أبويا نزل عينيه للأرض، وبعدها قال بصوت مكسور:
يا سارة، أنا كنت بحاول أعمل حاجة ليكي… حاجة أمك كانت نفسها تشوفيها قبل ما تموت.
بصيت لابني، اللي كان بيحاول يقوم من الكرسي بصعوبة بسبب وجع ضهره.
جريت ناحيته وساعدته يقف، وبعدها سألته:
يا حبيبي، إنت كنت بتعمل إيه هنا طول الليل؟
بص ناحية جدو، وبعدها رد بصوت ضعيف:
كنت بساعده في البيت الصغير يا ماما… بس أنا تعبت، وهو قالي لازم نخلصه النهارده.
رجعت بصيت لأبويا، والغضب بدأ يسيطر عليا.
يعني كنت مخليه يقعد بالساعات يساعدك في شغل الخشب، وهو طفل عنده خمس سنين؟!
أبويا ما حاولش ينكر.
قال بحزن:
أنا غلطت يا بنتي. كنت مستعجل أخلص المجسم، وما خدتش بالي إن القعدة الطويلة بتتعبه بالشكل ده.
قلت له بحزم:
بن مش هيشارك في أي حاجة تانية. صحته أهم من أي مفاجأة، ومش هقبل إنك تطلب منه يخبي عني حاجة تخص تعبه أو قلقه.
هز راسه وقال:
عندك حق. وأنا آسف.
لكن وأنا بجمع حاجات ابني عشان أمشي، لاحظت صندوقًا خشبيًا صغيرًا تحت الترابيزة.
كان عليه اسم أمي، وبجانبه مفتاح نحاسي قديم.
مديت إيدي ناحية الصندوق، لكن أبويا اتوتر فجأة وقال:
استني يا سارة… الصندوق ده لازم نفتحه في المكان الصح.
بصيت له باستغراب.
مكان إيه؟
رد بصوت واطي:
البيت اللي في المجسم مش مجرد بيت قديم. ده المكان اللي أمك سابت لك فيه سر كبير، وأنا بقالي سنين بحاول أوصل للحظة اللي أقدر أسلمهولك فيها.
مسكت الصندوق، وبصيت للمفتاح، وبعدها سألته:
سر إيه يا بابا؟ وإيه اللي ماما كانت مخبياه عني؟
أبويا فتح بقه عشان يرد، لكن فجأة رن جرس الباب.
بص ناحية المدخل، واتغير لون وشه.
وبصوت مرتبك قال:
ده أكيد دانيال… المحامي اللي كان مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة.
في اللحظة دي، حسيت إن الحكاية أكبر بكتير من مجسم خشبي ومفاجأة متأخرة.
لأن أمي كانت متوفية من سنين طويلة، وأبويا عمره ما ذكر قدامي اسم أي محامي أو وصية.
مين دانيال؟ وإيه السر اللي أمي سابتهولي؟ وليه أبويا كان مصمم يجهز كل حاجة في السر، بدل ما يحكيلي الحقيقة من البداية؟
يتبع…
الجزء التاني المحامي اللي ظهر في نص الليل
فضلت باصة لأبويا وأنا بحاول أفهم معنى كلامه، لكن قبل ما أسأله أي سؤال جديد، جرس الباب رن مرة تانية.
أبويا اتحرك ناحية المدخل ببطء، وأنا فضلت واقفة جنب بن، بحاول أطمن عليه وأمنعه من أي حركة ممكن تزود وجع ضهره.
بعد لحظات، دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شافني، وقف مكانه وقال:
إنتِ سارة؟ بنت نادية؟
هزيت راسي بحذر.
أيوه. حضرتك مين؟
حط الشنطة على الترابيزة ورد:
اسمي دانيال. أنا كنت المحامي المسؤول عن بعض الأوراق الخاصة بوالدتك، وجيت النهارده لأن والدك قالي إن الوقت جه عشان تعرفي الحقيقة.
بصيت لأبويا بغضب.
هو كل الناس عارفة الحقيقة إلا أنا؟! إيه اللي بيحصل هنا بالضبط؟
دانيال بص لأبويا، وبعدها رجع بصلي.
من حقك تزعلي يا سارة، لكن خلينا نبدأ من الأول. والدتك سابت لك وصية، والوصية دي مرتبطة ببيت قديم كانت بتملكه قبل وفاتها.
طلعت الموبايل من جيبي وقلت:
طيب، وإيه علاقة الوصية بوجع ابني؟ وليه كان لازم يفضل صاحي طول الليل عشان يساعد جدو؟
أبويا نكس راسه وقال:
مفيش أي علاقة بين وجع بن والوصية نفسها. أنا اللي غلطت لما خليته يساعدني في المجسم لفترة طويلة، وكنت فاكر إنه هيفرح لما يشوف المفاجأة. لكن ما كانش ينفع أطلب منه يخبي عنك أي حاجة.
بصيت له بجدية وقلت:
أنا هنتابع مع الدكتور لحد ما نعرف سبب الوجع، وبن مش هيرجع يقعد عندك بالليل دلوقتي. أما موضوع الوصية، فهسمع كل حاجة، لكن من غير أسرار تاني.
دانيال هز راسه موافقًا، وبعدها فتح شنطته وطلع ملفًا كبيرًا.




