
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي حصل في الغرفة الليلة الماضية هيكون بداية تغيير أكبر في القصر كله.
الصدمة اللي انتشرت بين الخدم!
بعد ما خرجت مريم من مكتب الشيخ، راحت ناحية غرفة العاملات، وهي لسه مش مصدقة اللي حصل.
سارة أول ما شافتها، جريت ناحيتها:
ها؟ عمل فيكي إيه؟
مريم بصّت لها، وبعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة:
ما طردنيش.
سارة حطت إيديها على صدرها براحة:
الحمد لله! طب وبعدين؟
مريم حكت لها عن المقابلة، وعن قرار الشيخ إنه يديها يومين راحة، وإنه طلب مراجعة جدول شغل العاملين كلهم.
سارة فتحت بوقها من الدهشة:
هو قال كده فعلًا؟
أيوه.
يا بنتي، ده مش بس ما عاقبكيش، ده غيّر نظام الشغل كله بسبب اللي حصل!
مريم هزت راسها:
أنا نفسي مش فاهمة. كنت فاكرة إنه هيزعق لي، أو يطردني من غير ما يسمعني.
في خلال ساعات قليلة، الخبر انتشر بين العاملين.
بعضهم قال إن الشيخ راشد كان متساهلًا بشكل غير متوقع.
وبعضهم اعتقد إنه تصرف كده لأنه كان شايف إن مريم تعبانة فعلًا.
أما نوال، فكانت أكثر شخص مصدوم من القرار.
هي كانت متعودة إن العاملين ينفذوا التعليمات من غير نقاش، وكانت شايفة إن أي تقصير لازم يكون له حساب.
لكنها لما عرفت تفاصيل اللي حصل، بدأت تراجع نفسها.
هل كانت فعلًا بتطلب من العاملين أكتر من طاقتهم؟
هل كانت بتعتبر إن الموظف اللي ما بيشتكيش يقدر يتحمل أي كمية شغل؟
وهل كانت فاكرة إن السكوت معناه إن كل شيء تمام؟
في نهاية اليوم، راشد طلب منها تقابله مرة تانية.
دخلت مكتبه وهي متوترة.
قال لها:
نوال، أنا عايز الشغل في القصر يفضل منظم، وعايز كل حاجة تكون جاهزة. لكن ده مش معناه إن الناس تشتغل من غير راحة.
نوال ردّت:
مفهوم يا سيدي.
راشد كمل:
لو فيه شغل إضافي، لازم يتوزع بشكل عادل. ولو حد تعب، لازم يكون عنده فرصة يرتاح. أنا مش عايز أسمع إن موظف اضطر يكمّل شغله وهو مش قادر، خوفًا من إنه يخسر وظيفته.
نوال نزلت عينيها:
حاضر يا سيدي. هراجع الجداول بنفسي.
راشد قال:
كويس. أنا عايز القصر يفضل مكان منظم، لكن كمان عايز الناس اللي بتشتغل فيه تحس إنها بشر، مش مجرد أسماء في جدول.
الكلام كان واضحًا، وما كانش فيه تهديد أو إهانة.
نوال خرجت من المكتب وهي عارفة إن نظام الشغل هيتغير فعلًا.
أما مريم، فكانت في نفس الوقت بتجهز نفسها عشان ترجع البيت وتطمن على والدتها، وهي حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من على قلبها.
لكن ليه الشيخ راشد اتصرف بالطريقة دي؟
في المساء، كان راشد قاعد لوحده في مكتبه، قدامه أوراق الشغل، لكنه ما كانش مركز فيها.
كان بيفكر في مريم، وفي الطريقة اللي اتكلمت بيها وهي خايفة.
ما كانش شايف نفسه بطلًا لأنه سابها تنام، ولا كان شايف إن اللي عمله شيء يستحق كل الدهشة دي.
بالنسبة له، كان التصرف الطبيعي.
هو ما كانش هيقبل إن حد يدخل غرفته من غير إذن، لكنه كمان ما كانش مقتنع إن الغلط لازم يتعالج بالإهانة أو العقاب القاسي.
افتكر والدته، اللي كانت دايمًا تقول له وهو صغير:
يا راشد، لما تكبر ويبقى عندك ناس بتشتغل عندك، افتكر إنك بتدفع لهم مقابل شغلهم، مش بتشتري كرامتهم.
الكلمات دي فضلت معاه سنين طويلة.
ومع إنه كان رجلًا صارمًا في العمل، وكان بيتوقع من الناس الالتزام، لكنه كان مؤمنًا إن المسؤولية مش معناها إن الإنسان يبقى قاسيًا.
فتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة لوالدته وهي واقفة في مطبخ بيتهم.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم رجّع الصورة مكانها، ورجع يبصّ للأوراق.
كان عارف إن مريم مش الوحيدة اللي ممكن تكون بتشتغل وهي تعبانة، وإن فيه موظفين كتير بيسكتوا عن احتياجاتهم خوفًا من فقدان وظائفهم.
وعشان كده، قرر إن التغيير لازم يكون حقيقيًا، مش مجرد رد فعل لموقف حصل في ليلة واحدة.
في الأيام اللي بعدها، اتراجع جدول الشغل، واتوزعت المهام بطريقة أفضل، وبقى فيه وقت راحة محدد لكل مجموعة من العاملين.
ولأول مرة من فترة طويلة، بدأ الموظفون يحسوا إن بإمكانهم يقولوا إنهم مرهقون من غير ما يخافوا إن ده معناه إنهم مقصرون.
أما مريم، فرجعت بعد يومين من الراحة، وهي أكثر هدوءًا وثقة.
دخلت القصر، وبدأت شغلها كالمعتاد.
لكنها لما مرت قدام جناح الشيخ، وقفت للحظة وبصّت للباب.
افتكرت الليلة اللي نامت فيها من غير قصد، واللحظة اللي صحيت فيها وهي خايفة على مستقبلها.
ما كانتش تتخيل إن غلطة صغيرة زي دي ممكن تكشف مشكلة أكبر، وتغيّر طريقة التعامل مع العاملين كلهم.
وفي نفس الوقت، فهمت إن الاعتذار والاعتراف بالغلط مش دايمًا بيؤديان للعقاب، وإن فيه أشخاص ممكن يسمعوا الحقيقة قبل ما يحكموا على صاحبها.
النهاية اللي ما حدش توقعها!
بعد مرور أسبوع، كانت مريم بتجهز بعض الأغراض في الدور التاني، لما قابلت الشيخ راشد في الممر.
وقفت على جنب بسرعة، وانحنت باحترام:
صباح الخير يا سيدي.
راشد ردّ:
صباح الخير يا مريم. عاملة إيه؟
السؤال البسيط فاجأها، لأنها ما كانتش متعودة إن الشيخ يسألها عن حالها.
الحمد لله يا سيدي، كويسة.
والدتك أخبارها إيه؟
مريم رفعت عينيها بدهشة:
الحمد لله، أحسن شوية. شكرًا لسؤالك يا سيدي.




