
قلبي دق بعنف، لكن إيدي فضلت ثابتة. صورت محتويات الشنطة، وخدت أحمر الشفاه، ورجعت كل حاجة مكانها زي ما كانت.
قفلت الشنطة، وثبت العجلة، وركبت عربيتي.
كنت رايحة المستشفى، لكن المرة دي ما كنتش رايحة كزوجة خايفة على أختها.
كنت رايحة وأنا بدأت أفهم إن الغدر اللي قدامي مجرد أول خيط في شبكة أكبر بكتير.
لما وصلت المستشفى، لقيت جلال واقف في الممر، بيلف حوالين نفسه وبيمسح وشه بإيديه.
أول ما شافني، جري ناحيتي:
فريدة، الحمد لله إنك وصلتي! الدكتور قال إن حالتها كانت خطيرة جدًا. مجرى التنفس عندها ورم، ولولا حقنة الأدرينالين والكورتيزون، كان ممكن تتعرض لخطر كبير.
وبعدين قال من غير ما ياخد باله:
كانت بين إيديا ومش عارف أعمل لها حاجة!
سكت لحظة، وبعدها حاول يصلح كلامه:
أقصد أختك كانت بين إيدينا كلنا.
هزيت راسي كأني مصدقاه.
بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن حالة إيمان استقرت، لكن لسه فيه تورم في اللسان والحلق، ولازم تفضل تحت الملاحظة أربع وعشرين ساعة.
مسموح لشخص واحد بس يدخل لها خمس دقايق.
قلت لجلال:
ادخل إنت الأول. أكيد محتاجة تشوف حد تعرفه.
دخل، وأنا فضلت واقفة بره، ببص من الشباك الصغير اللي في الباب.
اللي شفته جمد جسمي.
جلال كان راكع جنب سريرها، ماسك إيدها وبيبوس صوابعها بحنان عمري ما شفته منه معايا. وإيمان كانت بتمسح دمعة من على خده، وباصاله بنظرة امتلاك واضحة.
طلعت موبايلي وصورتهم من خلال الزجاج.
صورة ورا صورة، لحد ما بقى معايا سبع صور واضحة، وكل صورة عليها وقتها وتاريخها.
لما خرج جلال، خبّيت الموبايل وفتحت مجلة كنت ماسكاها.
هي عاملة إيه؟ سألني.
هادية؟
آه، الدكتور قال إنها مستقرة. بس شكلها مش قادرة تتكلم كتير.
دخلت أنا بعدها.
إيمان كانت ممددة على السرير، والأجهزة حوالينها بتصدر أصوات منتظمة. أول ما شافتني، عينيها اتسعت، وحاولت ترفع راسها.
قربت منها وقلت بصوت واطي:
ما تتحركيش. أنا جاية أقول لك حاجة واحدة بس.
بصت لي بخوف.
الشنطة الزرقا بتاعتك لسه في شنطة عربية جلال، تحت العجلة الاحتياطية.
وشها شحب.
كملت وأنا بابتسم ابتسامة صغيرة:
ما تقلقيش، أنا ما قلتش له إني لقيتها. ومش هقول له لو إنتِ كمان عرفتي تفضلي هادية.
حاولت تفتح بقها، لكني رفعت إيدي أوقفها:
ما تتكلميش دلوقتي. أي توتر زيادة ممكن يرفع نبضك ويخلي الأجهزة تكشف إنك مضطربة. ارتاحي، وفكري كويس قبل ما تقرري هتقولي إيه لمين.
خرجت من الأوضة، ولما جلال سألني عنها، قلت له إنها كانت شبه نايمة ومش مركزة.
وبعدين قلت له:
إنت عندك شغل في الساحل، صح؟ الأفضل تروح تخلصه وترجع الأحد بدري. أنا هفضل معاها، وهكلم ماما لما أطمن عليها أكتر.
بص لي بإعجاب واضح:
إنتِ أقوى واحدة أعرفها يا فريدة. مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك.
ابتسمت له:
وأنا كمان مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك يا جلال.
ما كانش عنده أي فكرة عن المعنى الحقيقي لكلامي.
بعد ما مشي، ما رحتش بيت أمي زي ما قلت له. ركبت عربيتي وتوجهت لمقر شركة الاتصالات الرئيسي.
كان معايا توكيل رسمي عام من جلال، عملناه من سنين لما فتح مكتب الاستشارات المالية بتاعه. كنت بتولى فواتير البيت والشركة والضرائب، وعشان كده قدرت أطلب كشف تفصيلي للأرقام المسجلة على حسابات الشركة.
طلبت سجلات آخر تلات شهور لثلاثة خطوط مرتبطة بالشغل، من ضمنها خط إضافي مفتوح من حوالي سنة ونص، باشتراك غير محدود.
لما الموظف سلمني البيانات، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أكتر من أربعة آلاف وخمسمية ساعة مكالمات بين رقم جلال الشخصي والرقم الثالث خلال تمنتاشر شهر.
مكالمات في نص الليل، والساعة سبعة الصبح، وليالي الجمعة، وفي أوقات كان بيقول لي فيها إنه في اجتماعات أو مسافر لمقابلة عملاء.
حفظت الرقم على موبايلي واتصلت بيه.
رد البريد الصوتي بصوت إيمان:
أهلًا، ده الرقم الخاص بإيمان. لو إنت الشخص اللي في بالي، بطل تضيّع وقت وتعالى خدني دلوقتي.
قفلت المكالمة من غير ما أسمع باقي الرسالة.
صوتها كان كفاية.
افتكرت ليلة من حوالي سبع شهور، لما دخلت غرفة الغسيل ولقيت جلال بيساعد إيمان تخلع فستان لسهرة. كان ماسك كوباية، وهي بتضحك وبتقول إنها مش قادرة تفك السوستة.
جلال وقتها قال إنها كانت مرهقة بعد سهرة، وإنه كان بيحاول يساعدها من غير ما يبوظ الفستان.
صدقتهم.
يا لسذاجتي!
طلبت من شركة الاتصالات بيانات أبراج الشبكة المرتبطة بالرقم، وبدأت أقارن المواقع بالتواريخ.
كل يوم سبت تقريبًا، كان الرقم موجود في نفس المكان، برج رقم 408، على ساحل خليج شمالي، بالقرب من مجمع سكني خاص اسمه تراسات البحر.
جلال عمره ما قال لي إن عنده عملاء هناك.
بدل ما أرجع البيت، روحت شقة إيمان في وسط البلد. كان معايا نسخة من مفتاحها، لأنها كانت دايمًا بتقول لي إن البيت مفتوح لي في أي وقت.
أول ما دخلت، عرفت إن فيه حد كان موجود من وقت قريب.
هدوم مرمية في كل مكان، وكوبايات مشروب فوار على الترابيزة، وبقايا أشياء شخصية في طبق صغير.
لبست جوانتي خفيف، وبدأت أفتش بهدوء.
في أوضة النوم، لقيت صورة عائلية مؤطرة، أنا وإيمان فيها بنضحك وهي حاضناني وبايسة خدي. الصورة دي كانت هدية مني ليها.
رفعتها، ولقيت وراها صورة فورية تانية.
جلال، من غير قميص، واقف في أوضة زجاجية مطلة على البحر. وإيمان لابسة قميص أبيض رجالي، وعاملة سنانها في ودنه وهي بتضحك.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط إيمان:




