قصص و روايات

سر الزجاجة

بعد ما خلصت، حطيت الأكياس في الشنطة، ولما وصلت البيت وبدأت أطلع آخر الحاجات، خبط كوعي في الإزازة اللي كانت محطوطة في الجنب.

وقعت على الفرش، والغطاء ما كانش مقفول كويس، فاتسكب شوية من السائل على إيدي.

اتنهدت بضيق، ومسكت منديل عشان أنضف المكان، وبعدها رفعت الإزازة وأنا مقررة أرميها في الزبالة وخلاص.

لكن قبل ما أرميها، رفعتها ناحية نور الشمس عشان أشوف فوهتها كويس.

وفي اللحظة دي، جسمي كله اتجمد.

على الحافة الشفافة للإزازة، كان فيه أثر روج أحمر معدني لامع، واضح وطازة، كأن واحدة كانت لسه شربت منها من ساعات قليلة.

حسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.

جلال عمره ما استخدم مرطب شفايف، وأنا ما كنتش ركبت عربيته من أسبوعين.

يبقى مين الست اللي شربت من إزازته؟

وليه الإزازة دي بالذات؟ وليه بيخبيها بالشكل ده؟

في اللحظة دي، كل الأعذار اللي كنت بقولها لنفسي بدأت تنهار.

دخلت المطبخ، وجبت زيت طعام مركز، كان جلال عنده حساسية شديدة منه من وهو طفل، ونزلت ست نقط في الإزازة.

رجّيتها كويس. لون الشاي ما اتغيرش، وريحة الليمون غطت على أي ريحة غريبة.

كنت عايزة أعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

لو جلال فعلًا بيحتفظ بالإزازة لمجرد إنه يشرب منها وقت العطش، مش هيكون فيه أي سبب يخليه يشرب منها بعد ما يلاقي مية جنبه.

لكن لو فيه حد تاني بيستخدمها سرًا، فممكن يمد إيده ليها من غير ما يفكر.

رجّعت الإزازة مكانها، وقفلت شنطة العربية، وفضلت مستنية.

ما كنتش متخيلة إن التجربة دي هتجيب لي الإجابة بعد ساعات قليلة، ولا إن الإجابة نفسها هتكون أقسى من أي غدر كنت متوقعاه.

والآن، بعد مكالمة ممدوح المرعبة، وصلت محطة البنزين في الكيلو أربعين.

كان المكان مليان ناس، وعربيتين شرطة واقفين بأنوارهم الزرقا، وإسعاف أبوابه الخلفية مفتوحة.

نزلت من عربيتي وجريت وسط المتجمعين، وقلبي بيصرخ من الخوف.

كنت متوقعة أشوف جلال على نقالة، بيتلوى من الألم بسبب زيت الطعام.

لكن أول ما وصلت، سمعت صوت كحة عنيفة، وصراخ متقطع، وشفت المسعفين بيحاولوا يساعدوا واحدة مرمية على الأرض، شفايفها وارمة، ووشها متغير، وكانت بتقاوم عشان تقدر تتنفس.

دفعت نفسي وسط الناس، وعيني بتدور على جلال.

وفجأة، شفت الست اللي كانت بتعاني.

اتسمرت مكاني، وحسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.

الست دي ما كانتش المرأة الأخرى المجهولة.

كانت إيمان أختي الصغرى!

وبجانبها، كان جلال قاعد على الأسفلت، منهار في العياط، وماسك إيديها وبيبص لها بخوف وندم، كأنه خايف يخسرها.

نفس جوزي اللي طول تمان سنين كان بيحضني ويقول لي إني أهم إنسانة في حياته، كان قاعد جنب أختي، في مشهد ما كنتش أتخيل أشوفه حتى في أسوأ كوابيسي.

بصيت له، وبعدين بصيت لها، وعقلي رفض يستوعب اللي قدامي.

إيه اللي جاب أختي لعربية جوزي؟

وليه كان بيعيط عليها بالشكل ده؟

وإيه سر الإزازة اللي فضلت سنين مخبيّة الحقيقة عني؟

الجزء الثاني والأخير

اكتشفت غدر جوزي مع أختي، لكن اللي اكتشفته بعد كده كان أخطر من الغدر بكتير!

وقفت قدام محطة البنزين وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.

جلال، جوزي اللي عشت معاه تمن سنين، كان راكع على الأرض جنب أختي الصغيرة إيمان، وبيحاول يساعدها تتنفس. شفايفها كانت وارمة، ووشها بيقلب للأزرق، وهي بتشهق كأنها بتعاني بشدة.

أول ما شافني، رفع عينيه ليا وقال بصوت مهزوز:

فريدة! الحمد لله إنك جيتي! إيمان تعبت فجأة!

بصيت له، وبعدين بصيت لإيمان اللي كانت بتترعش وبتحاول تسحب الهوا بصعوبة.

إيه اللي حصل؟

جلال بلع ريقه، وبص ناحية صاحبه ممدوح اللي كان واقف جنب العربية ووشه مليان ارتباك:

قابلناها بالصدفة عند التحويلة اللي على الطريق. كانت عطشانة، وشربت شوية من إزازة الشاي بالليمون اللي في العربية. فجأة بدأت تعاني ضيق تنفس وتقع على الأرض.

بصيت للإزازة اللي كان بيحتفظ بيها دايمًا في عربيته، وافتكرت أثر الروج الأحمر المعدني اللي لقيته عليها، والست نقط من زيت الطعام المركز اللي ضفتهم لمشروبه بسبب حساسيته الشديدة منه.

كنت فاكرة إن اللي هيشرب من الإزازة هو جلال.

لكن اللي كانت بتعاني قدامي هي أختي.

وصلت الإسعاف بسرعة، والمسعفون بدأوا يتعاملوا مع إيمان، وبعدها نقلوها لمستشفى العام في سيدي عبد الرحمن.

جلال حاول يركب معاهم، لكنه رجع وقف جنبي وقال:

روحي إنتِ معاها يا فريدة، وأنا هخلص حاجة ضرورية وأحصلك.

بصيت له باستغراب مصطنع:

مش هتيجي معانا؟

هاجي طبعًا، بس لازم أتصرف في موضوع صغير الأول.

سابني وراح ناحية ممدوح، واتكلم معاه بصوت واطي. ما سمعتش الكلام، لكن نظراتهم كانت كفاية عشان أفهم إن فيه حاجة أكبر من مجرد حادث.

استنيت لحد ما عربية الإسعاف اختفت من الطريق، وبعدها مشيت ناحية عربية جلال.

فتحت الشنطة الخلفية. الإزازة اختفت، غالبًا المسعفين أخدوها عشان يفحصوا محتوياتها. لكن آثار السائل المسكوب كانت لسه موجودة.

وأنا ببص حواليا، لاحظت إن العجلة الاحتياطية مش راكبة بإحكام.

رفعتها، ولقيت شنطة سفر زرقا مستخبية تحتها.

عرفتها فورًا.

دي شنطة إيمان اللي كانت بتاخدها معاها كل ما تقول إنها هتقضي يومين عند صاحبتها.

فتحتها، ولقيت جواها ملابس خاصة، وبرفان ياسمين، وأحمر شفاه معدني أحمر.

نفس اللون اللي كان سايب أثره على إزازة جلال.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى