
أستاذ ياسين مستني حضرتك.
دخلت. كان راجل في أواخر الأربعينات، قدامه ملف كبير. بص لي شوية، وبعدين قال: أنا عارف إن اللي هقوله لحضرتك صعب.
قعدت قدامه. قول.
فتح الملف. طلع صورة. وحطها قدامي. اتجمدت. كانت صورة أحمد. لكن مش مع رنا. كان واقف قدام مستشفى. والأغرب: إن التاريخ المكتوب على الصورة كان قبل سفره بيومين.
رفعت عيني لياسين. إيه ده؟
قال: أحمد جه لي من حوالي شهر، وطلب مني أجهز له أوراق تخص شركة جديدة.
شركة؟
أيوه. فتح ملف تاني. لكن الشركة دي اتسجلت باسم شخص تاني.
حسيت إن دماغي بدأت تلف. ليه؟
بص لياسين مباشرة: لأن أحمد كان بيحاول ينقل جزء كبير من ممتلكاته بعيد عن اسمك.
سكت. حسيت إني مش قادرة أتنفس. ليه؟
ما ردش فورًا. وبعدين قال: ده السؤال اللي أنا كنت مستنيه حضرتك تسأليه.
طلع ورقة تانية. قبل ما أحمد يسافر بثلاث أيام، طلب مني أجهز اتفاق انفصال بينكم.
ضحكت من الصدمة. انفصال؟
هز راسه. وكان مكتوب فيه إن حضرتك تتنازلي عن جزء كبير من حقوقك، مقابل إنه يسيب لك البيت وحضانة البنات.
بصيت للورقة. إيدي بدأت ترتعش. وهو قال لك إيه؟
قال إن الجواز انتهى بالنسبة له.
بلعت ريقي. طب ورنا؟
ياسين سكت. وبعدين قال: رنا مش هي السبب الحقيقي.
رفعت عيني بسرعة. يعني إيه؟
قفل الملف. رنا مجرد جزء من الموضوع.
والجزء التاني؟
بص لي بنظرة غريبة: أحمد كان مخبي عنك حاجة من سنين.
في اللحظة دي، موبايلي رن. رقم أحمد. بصيت للشاشة. أول مرة يتصل بيا من يوم ما مشي. بصيت لياسين.
قال بهدوء: ردي.
فتحت المكالمة. ألو؟
صوته جه متوتر: مريم إنتِ فين؟
عند المحامي بتاعك.
سكت. لأول مرة أسمع الخوف في صوته. مين قالك تروحي له؟
قلت: إنت. أنا؟ أيوه، لأنك من 14 سنة وأنت بتخبّي عني حاجات.
سكت تمامًا. وبعدين قال: اسمعيني كويس، إوعي تثقي في ياسين.
بصيت للمحامي. ولأول مرة لاحظت إن إيده كانت بتترعش.
قلت لأحمد: ليه؟
رد بصوت منخفض: لأنه مش المحامي اللي أنا عايزك تخافي منه.
سكت ثانية. مريم، لو عرف إنك عرفتي، حياتك وحياة البنات هتتغير.
وقبل ما ألحق أسأله: مين؟
الخط اتقفل.
بصيت لياسين. فقال بهدوء: دلوقتي فهمتي ليه طلبت أقابلك بعيد عن أحمد؟
وقبل ما أتكلم، فتح درج مكتبه. وطلع منه ظرف بني قديم. حطه قدامي. ده كان عندي من 14 سنة.
بصيت للظرف. كان عليه اسمي. مريم. وتحته تاريخ يوم فرحي بأحمد.
مديت إيدي ببطء. لكن قبل ما ألمسه، ياسين قال: الورقة اللي جواه ممكن تغيّر إجابتك عن سؤال واحد طول عمرك كنتِ فاكرة إنك عارفة إجابته.
إيه السؤال؟
بص لي وقال: أحمد اتجوزك ليه؟
الجزء الثالث
فضلت باصة للظرف كأني خايفة ألمسه. إنت عايز تقول إيه يا أستاذ ياسين؟
قال بهدوء: أنا مش عايز أقولك حاجة. أنا عايزك تقري بنفسك.
فتحت الظرف. طلعت منه ورقة قديمة، لونها مصفر، وعليها ختم مكتب محاماة. أول سطر خلاني أنسى أتنفس: “إقرار وتعهد سري للغاية.”
نزلت عيني على باقي الكلام. كل كلمة كانت بتخبط في دماغي. كان فيه اسم أحمد كامل. واسمي. وتاريخ قبل فرحنا بأسبوع واحد.
رفعت عيني لياسين. إيه ده؟
قال: كملي.
كملت القراءة. كان مكتوب إن أحمد وافق على شروط معينة قبل الجواز. لكن الشرط الأول كان صادم: “في حالة ظهور أي مطالبة مالية أو قانونية متعلقة بعائلة مريم، يلتزم أحمد بتحمل المسؤولية كاملة دون الرجوع إليها.”
اتلخبطت. عيلتي؟ مطالبة مالية إيه؟
ياسين ما ردش.
كملت. وكان فيه بند تاني: “يُمنع إبلاغ مريم بهذا الاتفاق طوال فترة الزواج، إلا في حالة…” الجملة كانت مقطوعة. الورقة الأخيرة مش موجودة.
بصيت لياسين. فين باقي الاتفاق؟
قال: عند أحمد.
طب إنت جبت الورقة دي منين؟
سكت شوية. وبعدين قال: لأنه سلّمهالي بنفسه قبل ما يتجوزك.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. يعني أحمد كان عارف؟
عارف كل حاجة.
وإنت كنت جزء من الموضوع؟
لأ. سكت لحظة. أنا كنت محاميه وقتها. وبعد ما اكتشفت إن الموضوع أكبر من مجرد اتفاق زواج، رفضت أكمل.
قربت الورقة مني. إيه علاقة ده برنا؟
ياسين تنهد: رنا كانت موجودة في حياة أحمد قبل جوازك.
اتسعت عيني. إيه؟
لكن الموضوع مش بالشكل اللي إنتِ فاكره.
ضحكت بسخرية. يعني هي مش عشيقته؟
أنا ما قلتش كده. سكت. وبعدين قال: رنا كانت تعرف الحقيقة.
قبل ما أسأله، باب المكتب اتفتح فجأة. السكرتيرة دخلت وهي مرتبكة: أستاذ ياسين، في حد بره بيسأل عن مدام مريم.
وقفت. مين؟
بصت لي وقالت: واحدة اسمها رنا السيد.
قلبي وقع. بصيت لياسين. هو كمان اتغير وشه.
بعد ثواني، دخلت رنا. كانت نفس الست اللي شفت صورتها في باريس. لكنها ما كانتش لابسة فستان ولا بتضحك. كانت ماسكة شنطة صغيرة، ووشها شاحب.
وقفت قدامي وقالت: أنا جاية أعتذر لك.
ما رديتش.
قالت: بس قبل ما تكرهيني، لازم تعرفي أنا كنت مع أحمد في باريس ليه.
بصيت لها ببرود: كنتِ مع جوزي في فندق.
نزلت عينيها. أيوه.
حسيت إن صدري اتحرق. يبقى مفيش حاجة محتاجة شرح.
رفعت عينيها بسرعة. لأ، فيه.
وبعدين قالت جملة خلتني أسكت: أحمد ما سافرش باريس عشاني.
أمال سافر ليه؟
فتحت شنطتها. وطلعت صورة قديمة. حطتها قدامي. كانت صورة لأحمد وهو أصغر بكتير. واقف جنب راجل معرفوش. لكن الراجل ده كان شبه أحمد بشكل مخيف.
بصيت لياسين. مين ده؟
رنا قالت: أخوه.
اتجمدت. أحمد معندوش إخوات.
ردت بهدوء: ده اللي أحمد قالهولك.
سكتت. رنا قربت الصورة مني. لكن الحقيقة إن أحمد كان عنده أخ توأم.
قلبي بدأ يدق بسرعة. اسمه إيه؟




