روايات وقصص

لقيت بنت مهدودة

جلال كان بجانبهم في كل خطوة.. لم يتسرّع في أي قرار، كان حريصًا على راحتهم النفسية قبل كل شيء. ذات يوم، سمية قالت له وهما جالسين في حديقة المستشفى:

— كنت فاكرة إنك نسيتني.. مرّت سنين وما سمعتش منك كلمة.

— ما نسيتش يومًا.. كنت أتمنى ألاقيكِ كل دقيقة. رد بصدق: عامر قال إنك رحلتي طوعًا.. وإنك مش عايزة ترجعي لي.. صدقت كذبته.

— هو كان بارع في الكذب.. وكنت خايفة أقول لحد.. هددني بقتل شهد لو تكلمت.

— كفاية إنكِ رجعتِ.. وكفاية إنهم معانا.

لم يتسرّعا في الحديث عن المستقبل.. قررا البدء ببناء حياة جديدة ببطء. اشترى لهم بيتًا صغيرًا دافئًا قريبًا من مزرعته، وخصص غرفة خاصة لشهد ويونس بكل ما يحبّونه.

شهد بدأت تذهب للمدرسة لأول مرة في حياتها.. كانت مترددة في البداية، خجولة، لكنها سرعان ما صادقت الأطفال، وذكاؤها لفت انتباه المعلمين. كانت تحكي لهم عن أمها وعمّها، وتقول بفخر: عمو جلال هو اللي أنقذنا.

ذات مساء، جاءت لجلال وهي تحمل دفترًا صغيرًا:

وه.. والأمل ما بيموت إلا لو سمحنا له.

عشرون سنة مرّت كأنها لحظة.. شهد أصبحت طبيبة بيطرية معروفة، أسست عيادات متنقلة تخدم المناطق النائية في الصحراء، وتعلم الأهالي كيف يحمون ماشيتهم وبيئتهم. يونس سار على خطى جلال، أدار المزارع وتوسّع فيها، وشغل أيدي كثيرة من أبناء المنطقة.

جلال وسمية عاشا في سلام واطمئنان.. لم يفترقا يومًا، وكانا يقولان دائمًا إن ما فقداه من سنين عوضه الله بأجمل وأبقى.

في يوم تخرّج شهد، وقفت الكلّية مليئة بالناس، وقالت في كلمتها:

“كانت الصحرا بيتي الثاني.. علمتني الصبر، علمتني القوة، علمتني إن من يملك حبًا حقيقيًا لا يموت مهما اشتدّ به الظلام. أهدي هذا النجاح لمن علّمني معنى الوفاء.. لعمّي وأبي جلال.. ولأمي التي صبرت من أجلي.. ولأخي الذي كنت مستعدّة أضحي بعمري من أجله.. ولكل طفل في مكان ما ينتظر من يمدّ له يد العون.. أنتم لستم وحيدين.. الحق سيظهر.. والنور سيأتي لا محالة.”

في تلك الليلة، اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام.. ضحكاتهم ملأت البيت، وكل واحد منهم كان يحمل في قلبه شكرًا عميقًا لما مرّ به وما نجا منه.

قبل سنواته الأخيرة، جلس جلال على كرسيه في الحديقة، وشهد بجانبه:

— بتفكر في إيه يا بابا؟

— بفكر في الأيام اللي كنت وحدي فيها.. وكيف ربنا رزقني بكم.. كنتم نعمة ما استاهلها.

— أنت اللي أنقذتنا.

— أنتِ اللي أنقذتيني يا شهد.. رجعتولي الأمل اللي كنت فقدته.

عندما رحل جلال في سن متقدمة، كانت الدنيا كلها تذكرنا به.. المزارع، العيادات، الوجوه المبتسمة التي ساعدها.. وبقيت كلماته محفورة في قلوبهم: الخير باقٍ.. والحق غالب.. والحب أقوى من كل شيء.

وظلّت قصتهم تُحكى في كل ربوع الصحرا.. عن طفلة صغيرة حملت أمانة أخيها فوق كتفها الصغير، وعمّ لم يتردّد لحظة في حماية أهله، وأمّ صبرت فانتصرت.. وعائلة لم تتكوّن بالدم فقط، بل بالصبر والصدق والتضحية.

وكانت النهاية بداية.. لكل من يظن أن الصحرا لا تُعطي شيئًا..

فالصحرا تُعطي من يصبر.. وتُنجي من يصدق.. وتُبقي من يحب بصدق.

تمت بحمد الله.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى