روايات وقصص

بعد ما خرجنا من المسجد

نجوى قالت: “لأن والدك ما اختارش بنتي ولا ابنك…” ثم أشارت إليّ: “…هو اختارك إنتِ بالذات.”

ساد الصمت، لكن قبل ما أسألها ليه، رن جرس الباب مرة تانية. الراجل الكبير اتجه للباب وفتح، وكان واقف قدامه رجل في نفس عمر جوزي تقريبًا. أول ما دخل، ليان صرخت: “بابا!”

جوزي بص للرجل، ثم بص لليان، ثم لأمي. أما نجوى فوقعت على الكرسي وهي بتردد: “عصام.”

عصام دخل البيت بخطوات بطيئة. ليان جريت عليه، لكن قبل ما توصل له وقفت فجأة كأنها خايفة تصدق اللي شايفاه، وقالت بصوت مرتعش: “إنت بجد بابا؟”

عصام فتح دراعه: “أيوه يا ليان.”

ليان ارتمت في حضنه وبدأت تبكي. أما أنا فكنت واقفة مكاني مش قادرة أفهم أي حاجة.

جوزي قرب من عصام وبص له طويلًا: “إنت كنت فين كل السنين دي؟”

عصام بص لنجوى: “اسألها.”

جوزي لف ناحية أمه: “ماما؟”

نجوى ما ردتش.

عصام قال: “أنا حاولت أوصل لبناتي أكتر من مرة.”

جوزي اتصدم: “بناتك؟”

عصام بصلي، وأنا حسيت قلبي وقف: “أيوه الاتنين.”

أنا قربت خطوة: “يعني إنت أبويا أنا كمان؟”

أمي غمضت عينيها.

نجوى بدأت تهز راسها بسرعة: “لا لا، الكلام ده مش صحيح.”

عصام قال بهدوء: “أنا ما كنتش عارف إن عندي بنتين.”

جوزي بص لأمي: “إنتِ كنتِ عارفة؟”

أمي بدأت تبكي: “كنت عارفة جزء من الحقيقة.”

صرخت: “جزء إيه؟!”

أمي بصتلي وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك بنتي من أب تاني.”

سكتنا جميعًا.

عصام قال: “وده كان اللي نجوى عايزانا نصدقه.”

نجوى قامت فجأة: “كفاية!”

جوزي قال: “لا، مش كفاية.” ثم قرب منها: “أنا النهارده شفتك بتكدبي عليا أكتر من مرة. دلوقتي عايز أعرف الحقيقة كاملة.”

نجوى بدأت تبكي: “كنت خايفة.”

“من إيه؟”

“من إن عصام ياخد بناته.”

عصام رد: “أنا ما كنتش هآخد حد. كنت عايز أعرفهم بس.”

نجوى قالت: “أبوك كان كاتب إن لو البنات عرفوا بعض، الملكية كلها هتنتقل ليهم هما الاتنين.”

جوزي قال: “إيه الملكية؟”

عصام أشار للملف الأسود: “دي مش كل الممتلكات.” فتح الملف وأخرج خريطة قديمة كانت لخمس أراضٍ وعقارات، وقال: “والدك ما سابش بيت واحد.” ثم نظر إليّ: “ساب إمبراطورية كاملة.”

نجوى همست: “وكان لازم تفضل بعيدة عنها.”

أنا سألت: “ليه؟”

عصام رد: “لأن فيه شخصًا واحدًا كان والدك خايف منه.”

جوزي قال: “مين؟”

عصام سكت، ثم أخرج صورة قديمة من جيبه؛ في الصورة كان والد جوزي واقفًا مع ثلاثة رجال؛ أحدهم عصام، والثاني فؤاد، أما الثالث فكان الرجل اللي دخل المسجد في يوم كتب كتابي وقال إنه شريك والده.

جوزي أخد الصورة وبص للرجل الثالث، ثم قال: “بس الراجل ده مات من سنين.”

عصام هز راسه: “الناس كلها فاكرة كده.”

وفجأة، سمعنا صوت رسالة على موبايل جوزي. فتحها، كانت صورة حديثة جدًا لنفس الرجل، واقفًا أمام البيت اللي كنا هنعيش فيه، وتحت الصورة جملة واحدة: “أنا كنت مستنيكم من زمان، ودلوقتي بقى عندي سبب أقوى أخليكم تسمعوا الحقيقة.”

جوزي رفع عينه عن الموبايل، وفجأة سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت، حد كان بيفتح الباب من الخارج. المفتاح لف في الباب ببطء. كلنا سكتنا، حتى نجوى اللي كانت من شوية بتصرخ قعدت مكانها من غير ما تحرك.

الباب اتفتح، ودخل نفس الرجل اللي ظهر في الصورة. كان أكبر شوية من الصورة القديمة وشعره أبيض، لكن ملامحه كانت واضحة.

جوزي وقف قدامه وقال: “إنت مين؟”

الرجل رد: “أنا سامح.”

فؤاد قال بسرعة: “سامح مستحيل.”

سامح ابتسم: “أهو أنا.”

عصام وقف في مواجهته: “إنت وعدت والدك إنك مش هتقرب منهم.”

سامح رد: “وهو وعدني بحاجة وما وفاش.”

جوزي قال: “كفاية ألغاز. أنا عايز أفهم.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى