
وفي اللحظة دي… سمعت صوت أبواب العربيات وهي بتتفتح بره، وبعدها مباشرة… صوت أول خبطة على بوابة الفيلا. دوم… دوم… دوم…
والأغرب من كل ده… إن الولد اللي كان ماسك الصورة بصلي، وبدل ما يخاف… ابتسم. وقال: «هم مش جايين ياخدونا…» سكت لحظة، وبعدين قال: «هم جايين ياخدوا بابا.»
بصيت للولد اللي قال إنهم جايين ياخدوا بابا. بابا مين؟ الولد ما ردش، بص لنوال. نوال كانت بتبص لي وكأنها أخيرًا فهمت إن مفيش مفر. قالت: «آدم… لازم تعرف الحقيقة كلها دلوقتي.»
«الحقيقة إيه؟!» «الولاد دول… ولادك.» سكت. حتى صوت الخبط بره اختفى من وداني. بصيت للأربع أطفال… واحد… اتنين… تلاتة… أربعة. مستحيل!
نوال هزت راسها: «سلمى كانت حامل.» ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة: «سلمى ماتت من خمس سنين، وكانت بتقولي طول عمرها إننا ماخلفناش!» «لأنها كانت خايفة عليك.» «مني؟!» «لأ…» نوال بصت للباب: «كانت خايفة على ولادك منك.»
الكلمة نزلت عليا زي القلم. «يعني إيه؟» قالت: «قبل موتها بسنتين، سلمى اكتشفت إن فيه ناس من أقرب الناس ليك بيستخدموا اسمك في أعمال مش قانونية من ورا ضهرك، وكانوا بيحاولوا يستغلوا أي نقطة ضعف ليك. لما حاولت توقفهم وتواجههم، عرفت إنها حامل وحبت تبعدهم عن دائرة الخطر تماماً.»
بصيت للأولاد. الأربعة دول… اتولدوا توأم. قربت منهم. واحد منهم رجع خطوة. حسيت إن قلبي اتكسر. طول عمري كنت فاكر إن مفيش حد في الدنيا دي يحمل دمي، وفجأة لقيت قدامي أربع نسخ صغيرة مني.
قلت: «طب ليه خبّتني عنهم؟» نوال ردت: «لأن سلمى كانت عارفة إن الخطر مش هيوصل لهم إلا عن طريقك أنت واسمك… كانت خايفة عليك وعلى ولادك من أي صراع محتمل.»
فجأة… صوت زجاج اتكسر من الدور الأرضي. نوال شهقت، والحراسة بدأت تصرخ: «اطلعي!» مسكت الولاد الأربعة: «خدهم على الأوضة اللي ورا المطبخ!» «وأنت؟» «أنا هتعامل مع الموقف.» نوال بصت لي: «آدم، لأ.» «دي بيتي.» رفعت عيني لها: «ودي عيلتي.»
لأول مرة… نوال ابتسمت وسط دموعها، وأخدت الولاد وجريت. نزلت السلم ببطء. كل خطوة كنت حاسس بيها في الأرض. لقيت اتنين من رجالة الحراسة واقعين لكنهم بخير، وفي نص الصالة… كان واقف مراد. لابس بدلة رمادي، ومبتسم ببرود.
بص لي وقال: «كنت عارف إنك هتوصل للحقيقة في يوم.» قلت: «أنت اللي كنت ورا كل ده؟» ابتسم: «أنا كنت بدور عليهم من خمس سنين، وعارف إن سلمى أخدت المستندات والمفاجآت دي معاها.»
طلعت من جيبي الصورة القديمة: «سلمى ماخدتش منك حاجة غير حقها.» مراد ضحك: «أنت لسه فاكر إنها كانت بريئة؟ مراتك كانت أذكى واحدة في البيت ده. كانت عارفة إنك لو عرفت الحقيقة، الأمور هتتغير.» قلت: «أنا مش هسيبك.» رفعت موبايلي: «الاجتماع اللي اتلغى النهارده والسجلات اللي جمعتها… كلها مع الجهات الرسمية دلوقتي.»
وشه اتغير تماماً. قلت: «من أول ما دخلت البيت وأنا كنت مرتب كل خطوة.»
مراد حاول يتحرك، لكن الحراسة وقفت في طريقه بالتعاون مع قوة الأمن اللي وصلت المحيط الخارجي للفيلا في اللحظة المناسبة بناءً على البلاغات المسبقة. تمت السيطرة على الموقف تماماً، واتخذت الجهات المختصة إجراءاتها القانونية الكاملة.
وقبل ما أتحرك… سمعت صوت صغير من ورايا: «بابا؟» لفيت. كان مالك واقف عند أول السلم والتلاتة التانيين وراه. بص لي، وبعدين بص للمكان اللي كان فيه مراد، وقال: «هو ده الشخص اللي ماما كانت خايفة منه؟»
نزلت على ركبتي قدامه: «لأ يا حبيبي.» مديت إيدي له: «خلاص، كل حاجة بقت تمام.» الولد قرب مني، ولأول مرة… حضنته. وبعد ثواني… التلاتة التانيين جُم يجروا عليا. وأنا وسطهم، لأول مرة من خمس سنين… عيطت. مش عشان الخوف، عيطت عشان اكتشفت إنها، حتى وهي بتموت… كانت بتحاول تحميني وتحمي ولادنا.
بعدها بأسبوعين، بدأت التحقيقات الرسمية تأخد مجراها الصحيح، وكل الأوراق والمستندات اللي سلمى كانت مخبياها كشفت الشبكة بالكامل. لكن أهم حاجة حصلت… إننا عرفنا إن سلمى كانت سايبة ليا رسالة. نوال ادتهالي بعد ما كل حاجة خلصت.
كانت رسالة قصيرة. فتحتها وأنا قاعد في أوضة سلمى القديمة، وكان مكتوب فيها: «آدم… لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الولاد وصلوا لك. أنا عارفة إنك هتكون غضبان، وعارفة إنك هتسألني ليه حرمتك منهم. بس أنا ماكنتِش خايفة إنك تأذيهم… أنا كنت خايفة إن حبك ليهم يخليك تواجه أخطار أكبر. سامحني، وخليهم يعرفوا إن أمهم ما سابتهمش، هي بس اختارت تحميهم بالطريقة الوحيدة اللي كانت تعرفها. ومتخليش أول حاجة يعرفوها عن أبوهم تكون إن الناس كانت بتخاف منه… خليهم يعرفوا إن أبوهم كان قادر يتغير علشانهم.»
فضلت باصص للرسالة وقت طويل. وبعدين سمعت صوت ضحك من الجنينة. الأربع أطفال كانوا بيلعبوا. واحد منهم وقع، والتلاتة جريوا يساعدوه. ابتسمت. ولأول مرة في حياتي… ماحسيتش إن البيت كبير، ولا حسيت إنه ساكت، ولا حسيت إن سلمى غايبة.
عدت سنة. غيرت كل حاجة في حياتي. قفلت الشركات اللي كانت مرتبطة بالشغل القديم، وبدأت حياة جديدة نظيفة بعيد عن أي صراعات. أما الأولاد… كبروا وبقوا يعرفوا كل حاجة. وكانت عندهم عادة غريبة؛ كل ليلة قبل النوم، الأربعة يقعدوا قدام صورة سلمى ويسألوا نفس السؤال: «ماما كانت بتحبنا؟» وفي كل مرة كنت أقول: «أكتر من أي حاجة في الدنيا.»
وفي يوم، مالك بص لي وقال: «وبابا كان بيحب ماما؟» بصيت للصورة وابتسمت: «لسه بحبها.»
بعد شهر… كنت واقف قدام قبر سلمى والأولاد الأربعة حواليا. حط مالك وردة صغيرة على القبر وقال: «دي مننا كلنا.» بصيت للسماء وقلت بهدوء: «كنتِ خايفة أكون أب وحش يا سلمى… بس أعتقد إنك كنتِ غلطانة في حاجة واحدة.» الأولاد جريوا قدامي. واحد مسك إيدي، والتاني مسك الإيدي التانية، والتالت والرابع حوالينا. ضحكت بصوت عالي.




