روايات وقصص

اولاد نوال الدسوقي

اركبي يا أمي.
ركبت نوال وهي بتحاول تمنع دموعها.

أدبر نفسي.
منى سكتت لحظة
وبعدين فتحت شنطتها الغالية، طلعت مبلغ من الفلوس وحطته في إيد أمها.
وقالت
في دار مسنين كويسة في المعادي يا ماما.
وبدأت تعد مبرراتها
أنا شغلي متعب وبنتي عندها دروس وجوزي طول الوقت في الشغل مقدرش أتحمل مسؤولية حد دلوقتي.
نوال بصت للفلوس في إيدها.
وافتكرت إن من سنين، لما منى كانت في الجامعة ومش معاها فلوس للكتب، نوال هي اللي ادتلها مبلغ شبه ده.
رفعت عينيها لبنتها وقالت
يعني حتى مش هدخل أقعد جوه؟
منى اتضايقت وقالت
ماما، بالله عليكي ما تصعبيهاش عليا.
وبعدين
البوابة اتقفلت.
بالليل، حسن خد أمه لشقته الصغيرة في شبرا الخيمة.
شقة بسيطة
أوضتين وصالة.
مراته سماح أول ما شافت نوال، جريت عليها وحضنتها.
من غير سؤال
من غير لوم
من غير حتى ما تعرف حصل إيه.
ابنهم الصغير آدم كان نايم على الكنبة ومريض.
وسماح كانت قاعدة على ترابيزة المطبخ بتعد الفلوس اللي معاها عشان تشوف هيجيبوا أكل إزاي لبكرة.
حسن كان بقاله أسابيع مش لاقي شغل ثابت.
والتلاجة؟
كان فيها أكل بالعافية يكفيهم هم التلاتة.
ومع ذلك
ولا سماح قالت لنوال تمشي.
ولا حسن فكر حتى في الموضوع.
بالعكس
حسن قال لها
البيت بيتك يا أمي.
بعد نص الليل
نوال صحيت على صوت خاڤت.
خرجت من أوضتها
ولقت حسن واقف في المطبخ وبيفتح درج صغير.
طلع منه علبة دهب.
سماح كانت واقفة قدامه.
حسن بص لها وقال بصوت واطي
أنا هَرهن دهبك بكرة.
سماح سكتت.
قال
دوا آدم خلص والأكل خلص والكهربا قربت تتقطع.
وبص لعلبة الدهب
الدهب ده هيجيب فلوس تكفينا لحد ما ألاقي شغل.
سماح بصت للدهب شوية
وبعدين قالت بهدوء
لو ده هيساعد ماما ارهنه.
حسن بص لها باستغراب
ده دهبك يا سماح إنتي تعبتي عشان تجيبيه.
ابتسمت وقالت
الدهب يتعوض إنما أمك ملهاش بديل.
نوال كانت واقفة في الطرقة
وحاطة إيدها على بوقها عشان تمنع شهقتها.
الدموع نزلت من عينيها.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة.
ولادها اللي عندهم الملايين ماكانش عندهم مكان لأمهم.

لكن ابنها اللي مش لاقي شغل
كان مستعد يرهن دهب مراته كله
عشان أمه ما تنامش جعانة ولا تحس إنها لوحدها.
رجعت نوال أوضتها من غير ما حد يحس.
قعدت على السرير
وفتحت شنطتها السودا.
كانت بتدور على صورة قديمة لجوزها.
لكن إيدها وقعت على حاجة تانية.
ظرف قديم.
نوال عمرها ما شافته قبل كده.
كان لونه أصفر من كتر السنين
وعليه اسمها مكتوب بخط إيد جوزها الراحل محمود.
إيدها بدأت تترعش.
لكن اللي مكتوب تحت اسمها
كان أخطر بكتير.
خمس كلمات بس
خلّوا قلبها يدق بسرعة
افتحيه بس لو خسرنا كل حاجة.
نوال فضلت باصة للظرف
وهمست
إنت كنت مخبي إيه يا محمود؟
وهي لسه مش عارفة
إن الجواب ده مش بس هيكشف سر قديم
ده كان هيكشف حقيقة تخلي ولادها الأغنيا نفسهم يتمنوا إنهم ما طردوهاش من بيوتهم!
ياترى إيه اللي جواه؟ وإيه اللي جوزها الراحل كان مخبيه طول السنين دي؟
ساد صمت قاطع في الأوضة، ونوال ماسكة الظرف الأصفر وإيدها بتهتز. الرياح الجافة كانت بتخبط على شباك الصالة، وصوت تكتكة الساعة على الحيطة كأنه بيعد الثواني الفاصلة في حياة العيلة دي

كلها.
فتحت نوال الظرف ببطء شديد…
طلعت منه ورقة قديمة مطوية، ومعاها مفتاح حديد له شكل غريب وكبير، ورسم تخطيطي لقطعة أرض.
كانت رسالة زوجها الراحل محمود مكتوبة بخط واضح ورزين
عزيزتي نوال…
لو تقرأي الرسالة دي، يبقى الأيام دارت، والبيت اللي بنيناه ضاع أو البنك أخد كل حاجة. أنا عارف إنك تعبتِ معايا ومع

ولادنا، وعارف إن كريم ومنى أخدوا كل حاجة بالفلوس ونسوا أصلهم، بينما حسن هو الوحيد اللي خد طبعنا وشقانا.
يا نوال… سنة 1998، لما بعت المزرعة الصغار في المنطقة الصناعية عشان أسدد ديون تجاربتي، أنا ما بعتش الأصول كلها. أنا سجلت بعقد ابتدائي غير مسجل باسمك أنتِ وباسم حسن تحديدًا 12 فدانًا على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، جنب أرض الدولة الرئيسية. الأرض دي وقتها ما كانتش تسوى آلاف، بس أوراقها والتوكيل المباشر والخزنة المصفحة المدفونة في أرضية مخزن الورشة القديمة باسمك. المفتاح ده بيفتح الخزنة دي، وفيها العقود الأصلية وأسهم مبادلة في إحدى شركات المقاولات الكبرى… الأرض دي النهاردة أصبحت في قلب المنطقة الاستثمارية الجديدة وتسوى عشرات الملايين!
نوال دموعها نزلت كالمطر على الورقة، مش بس بسبب الملايين والفلوس… لكن لأن زوجها الراحل كان شايف ببعد نظره وقارئ قلوب ولاده قبل ما ېموت!
في الصباح الباكر… الساعة 8 بالظبط.
حسن كان لابس هدومه وجاهز عشان ياخد علبة دهب مراته سماح ويروح يرهنها عند الصايغ.
نزل على ركبتيه جنب أمه، وقال بنبرة مليانة خجل ورجولة
أمي… أنا نازل أقضي شوية طلبات وأجيب دوا آدم والأكل. خليكي مرتاحة مع سماح، والبيت ده بيتك ورأسنا مرفوعة بيكي.
نوال مسكت إيده بقوة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت الظرف والمفتاح الحديدي من شنطتها
استنى يا حسن… ما ترهنش دهب مراتك يا بني. الدهب ده يفضل في رقبتنا وسام. تعال معايا دلوقتي… أباك الله يرحمه سابلنا أمانة لازم نفتحها سوا.
حسن وسماح بصوا لبعض باستغراب شديد!
بعد ساعتين… في منطقة الورش القديمة في ضواحي القاهرة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى