
مرت الأيام الأولى، وشريف كان بيحاول يتصل بندى مرات ومرات، لكن رقمها كان مقفول عنه تماماً. ذهب لبيت أهلها، فقالوا له إنهم ما يعرفوش عنها شيئاً، وإنها طلبت منهم ألا يسمحوا له بالدخول أبداً. حاول يتواصل مع المحامي، فقال له المحامي إن كل الكلام معه عبره فقط، وإن ندى لا تريد رؤيته ولا التحدث معه بأي شكل.
وفي نفس الوقت، بدأت الكارثة تظهر على أرض الواقع. المستثمرين اللي كانوا متفقين معاهم بدأوا يتصلوا بشريف ويقولوا له إنهم انسحبوا من الصفقة لأنهم اكتشفوا إنهم اعتمدوا في الأساس على دراسات وبيانات ندى، وبدونها لا يوجد أي أساس للعمل. البنك اللي كان سيمول جزءاً من المشروع أعلن انسحابه فوراً لأن الاتفاق كان مرتبطاً بموافقة ندى وشركتها. وكل الأبواب اللي كانت مفتوحة لشريف أغلقت في وجهه فجأة، وبقوة.
خلال أسبوع واحد فقط، تحول شريف من رجل على وشك أن يصبح من أصحاب الملايين، لرجل مديون، ومهدد بخسارة كل ما يملكه، لأن بعض الدفعات اللي دفعها كانت من قروض شخصية، والآن لا يوجد أي دخل قادم لسدادها.
ماجدة كانت مش مصدقة اللي بيحصل، كانت كل يوم تصرخ وتلعن وتشتم في ندى، تقول إنها ساحرة، إنها شريرة، إنها هتندم على فعلتها دي، لكن الكلام ما كانش بيرجع الصفقة ولا الفلوس. كانت تقول لشريف اروح لها يا ابني، اركض لها، قول لها أي حاجة، اعتذر لها، قول لها إننا غلطانين، إننا آسفين، المهم ترجع الصفقة تاني!
شريف كان بيجاوبها بصوت متهدج مكسور
أروح لها؟ أنا كنت ضربتها يا أمي.. أنا كنت أهنتها.. أنا وقلت لها كلام يجرح الصخر.. تفتكر هي تسامحني بسهولة؟ تفتكر هي هترجع لي حقي بعد كل اللي عملته فيها؟
ماجدة بكت لأول مرة في حياتها، بكت من الخوف والندم، لأنها بدأت تدرك إنها خسرت كل شيء، وإن الكبرياء والغرور اللي كانوا عندهم كان أثمن من كل الفلوس اللي كانوا بيحلموا بيها.
الجزء الثالث
بعد مرور شهر كامل، كان حال عيلة شريف يُرثى له. الفيلا اللي كانت مليئة بالضحك والصخب والضيوف أصبحت هادئة ومظلمة، والديون بدأت تطرق أبوابهم، والبنك أرسل لهم إشعارات رسمية بتحصيل القروض، وهددوا بالحجز على الفيلا والممتلكات إذا لم يتم السداد في الموعد المحدد.
شريف كان كل يوم يذهب لفندق ندى، يقف في الخارج لساعات طويلة، ينتظر أن يراها ولو لمرة واحدة، لكنها كانت تخرج وتدخل من مدخل خاص، ولم يسمح له أحد بالدخول أو التحدث معها. كان يرسل لها الرسائل تلو الأخرى، رسائل اعتذار طويلة، رسائل يندم فيها على كل فعلته، رسائل يقول فيها إنه يحبها وإنه لا يستطيع العيش بدونها.. لكن ندى لم تقرأ أي منها، لأنها كانت عارفة إن الكلام اللي بييجي بعد الكارثة ما هو إلا رد فعل من الخوف والخسارة، وليس نابعاً من قلب حقيقي.
ندى في تلك الفترة لم تكن مجرد تنتظر لهم ليتدمروا، بل كانت تبني نفسها من جديد. استقلت بعملها الخاص، أسست شركتها الاستثمارية الجديدة، وبدأت تنطلق بقوة، وكل اللي كانوا يعرفوها في الوسط التجاري
كانوا بيقولوا إنها نجمة ساطعة ستلمع في السماء وقت طويل. كانت كل خطوة تخطوها ناجحة، كل مشروع تشارك فيه ينجح، وسمعتها بدأت تنتشر بسرعة كبيرة، فأصبحت من أهم الشخصيات في مجالها في مصر.
وفي نفس الوقت، كانت تتابع أخبار شريف وأمه بكل هدوء، لا بشماتة ولا بفرح، بل بنوع من الارتياح لأن العدالة قد تحققت. لم تتمنى لهم الشر، لكنها أيضاً لم تتمنى لهم الخير بعد ما فعلوه بها. كانت تقول لنفسها من يزرع الريح يحصد العاصفة، وهذه هي سنة الحياة.
في يوم من الأيام، وبينما كانت ندى في مكتبها الجديد الفخم، دخل عليها السكرتير وقال لها بصوت متردد
أستاذة ندى.. هناك شخصان في الخارج يريدان رؤيتك.. يقولان إنهما والدة وزوجك.
ندى توقفت قليلاً عن عملها، ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء تام
دخليهم.




